أقلام وأراء

السّبت 20 يونيو 2026 12:37 صباحًا - بتوقيت القدس

تونس بين فخ الصراع الهوياتي وهيمنة منظومة الاستعمار الداخلي

يرى مراقبون أن الشعارات الاقتصادية والاجتماعية التي رفعت إبان الثورة التونسية واجهت مسارات متعثرة خلال عقد الانتقال الديمقراطي. هذا التعثر مهد الطريق موضوعياً أمام قوى نخبويّة لإغلاق القوس الديمقراطي، مستفيدة من حالة الإحباط لدى الأغلبية الصامتة التي راقبت انحراف الثورة عن أهدافها التنموية نحو سجالات هوياتية عقيمة.

إن انزياح الصراع المجتمعي عن مداراته الأصلية حال دون ظهور كتل سياسية مستقرة قادرة على تجاوز السرديات الأيديولوجية المغلقة. وبدلاً من بناء 'كتلة تاريخية' تلبي استحقاقات التغيير، استمرت النخب في إعادة إنتاج صراعات قديمة تخدم في جوهرها بقاء منظومة الاستعمار الداخلي وتعطل مشاريع السيادة الوطنية.

تعتمد الأطروحة المركزية للتحليل على أن الصراع الهوياتي بين النخب التونسية وقواعدها الانتخابية يمثل الضمانة الأساسية لاستمرار 'الكيان الوظيفي'. هذا الوضع يجعل دور المدارس الأيديولوجية المختلفة، بعيداً عن شعاراتها، يقتصر على تثبيت تونس في حالة من التبعية ومنع أي تحرر وطني حقيقي على مختلف الأصعدة.

بالعودة إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، تشكلت السردية الرسمية حول 'الأمة التونسية' بمعناها الغربي، مع تهميش الانتماء العربي والإسلامي وجعله مجرد فائض معنى. كانت الدولة-الأمة في العهد البورقيبي محاكاة مشوهة للنموذج الفرنسي، وهو خيار سلطوي استهدف ترسيخ علاقات التبعية لباريس باعتبارها نموذج التحديث الوحيد.

احتاجت منظومة الاستعمار الداخلي لتثبيت أركانها إلى تفكيك السلطات التقليدية والمؤسسات التي تمنح المجتمع استقلالية فكرية واقتصادية، وفي مقدمتها جامع الزيتونة ونظام الأوقاف. وكان هذا التفكيك يتطلب تضخيم 'المكاسب الهوياتية' الرمزية لصرف الأنظار عن آليات توزيع الثروة والسلطة التي استبعدت أغلب الجهات الداخلية.

استخدم النظام سرديات محاربة التخلف والجهل كغطاء لتحويل الدولة إلى منظومة ريعية وأمنية تحتاج دائماً إلى 'عدو وجودي'. وقد وجدت المنظومة هذا العدو في المؤسسات التقليدية، محاولةً تصوير إملاءات الخارج ومصالح الوكلاء المحليين وكأنها اجتهادات عصرية تتوافق مع مقاصد الشريعة والتقدم.

في المرحلة البورقيبية، تم التركيز على المكاسب الفردية وتفكيك البنى المجتمعية تحت مسمى الحداثة، مما جعل 'الإنجازات' تقاس بمعايير كيفية ورمزية لا محصول واقعي لها. هذا النهج مكن السلطة من الاستمرار في ثقافة 'الشيخ والمريد' لكن بمفردات علمانية حديثة تضمن الولاء المطلق للزعيم والحزب الحاكم.

مع صعود الإسلام السياسي كخصم رئيسي في عهد النظام اللاحق، تحول الدفاع عن 'النمط المجتمعي' إلى أداة لضرب الاحتجاجات المشروعة ضد التحديث الفوقي. وصورت الماكنة الإعلامية هذا المكون السياسي كتهديد إرهابي وطائفي، مستعينة بخدمات 'يسار وظيفي' لإخراج الخصوم من دائرة الإجماع الوطني وممارسة العنف الرمزي ضدهم.

بعد أحداث عام 2011، لم تكتفِ منظومة الاستعمار الداخلي بفرض منطق 'استمرارية الدولة' لإعادة تدوير رموزها، بل استصحبت معها الصراعات الهوياتية ذاتها. ومع غياب الذراع السياسية للنظام القديم، تقدمت قوى يسارية لملء الفراغ ومنع الاشتغال السوي للمؤسسات عبر حرف الصراع عن مساره الاقتصادي والاجتماعي.

نجحت هذه القوى في تحويل السجال السياسي من مواجهة شاملة ضد منظومة الاستعمار الداخلي إلى صراع بين 'عائلة ديمقراطية' وبين الإسلاميين. هذا الانقسام ميز كافة المراحل السياسية اللاحقة، من الفترة التأسيسية وصولاً إلى مرحلة التوافقات الكبرى، مما أضعف الجبهة الداخلية أمام القوى الإقليمية والدولية.

إن شرط ظهور أي كتلة تاريخية فاعلة يكمن في تحييد الصراعات الهوياتية والبحث عن مشترك وطني يضمن فاعلية أجهزة الدولة. إلا أن هيمنة الأدلجة أوجدت كتلًا وظيفية تعمل دون وعي على إضعاف الدولة وتمكين النواة الصلبة للمنظومة القديمة وحلفائها في الخارج.

لم يتجاوز سقف الصراع السياسي بعد الثورة حدود الخدمة غير المباشرة لهذه المنظومة، حيث عجزت القوى السياسية عن إعادة التفاوض مع مكونات الاستعمار الجديد. وبدلاً من تمثيل الإرادة الشعبية، انخرط الجميع في إدارة الدولة بمجازات ديمقراطية تفتقر للمحصول الواقعي الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية.

أدى هذا المسار إلى ما يمكن وصفه بـ 'الإذلال المزدوج'، حيث تخضع منظومة الحكم لإملاءات القوى الخارجية الاقتصادية والثقافية بشكل كامل. وفي المقابل، تمارس هذه المنظومة التابعة نوعاً من الإذلال الممنهج تجاه المواطنين الذين تحولوا في ظل هذا النظام إلى 'أشباه مواطنين' محرومين من السيادة الحقيقية.

ختاماً، يبقى الصراع الهوياتي الأداة الأكثر فاعلية في يد منظومات الاستعمار الداخلي لتعطيل أي مشروع حقيقي للتحرر الوطني في تونس. وبدون تجاوز هذه الانقسامات المفتعلة، ستظل النخب تدور في حلقة مفرغة تضمن استمرار التبعية وتمنع بناء مقومات الدولة القوية والمستقلة.

دلالات

شارك برأيك

تونس بين فخ الصراع الهوياتي وهيمنة منظومة الاستعمار الداخلي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.