أقلام وأراء

الجمعة 19 يونيو 2026 2:07 مساءً - بتوقيت القدس

أصل اللغة الإنسانية: هل هي هبة إلهية أم اختراع بشري؟

تظل مسألة نشأة اللغة الإنسانية واحدة من أعقد الألغاز الفلسفية واللغوية التي واكبت مسيرة الفكر البشري، حيث ينقسم الجدل حولها إلى تيارين رئيسيين؛ أحدهما يراها نتاجاً لتطور اجتماعي واصطلاح بشري، والآخر يؤكد أنها هبة إلهية 'توقيفية' صاحبت الإنسان منذ خلقه. ويستعرض المؤرخ الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان هذه الإشكالية، منحازاً إلى الرأي القائل بأن اللغة تعليم رباني أودعه الله في آدم عليه السلام.

ويستند القائلون بتوقيفية اللغة، ومنهم الفقيه ابن حزم، إلى حجة منطقية مفادها أن القول بالاصطلاح يقتضي وجود لغة سابقة يتفاهم بها البشر للاتفاق على وضع الرموز اللغوية، وهو ما يؤدي إلى تسلسل لا نهائي. كما أن الإنسان في أطواره الأولى لم يكن يمتلك النضج الذهني الكافي لصياغة نظام لغوي معقد دون وجود قاعدة معرفية مسبقة تلقاها بالتعليم المباشر من الخالق.

وفي السياق ذاته، يبرز رأي العالم الألماني ماكس مولر الذي حلل الأصول المشتركة للغات الهند-أوروبية، واكتشف أنها ترجع إلى نحو 500 أصل تدل على معانٍ كلية مجردة. ويرى مولر أن غياب التشابه بين أصوات هذه الأصول ومعانيها ينفي فرضية محاكاة الطبيعة، مؤكداً أن اللغة لم تنشأ عن تواضع بشري لأن التواضع يتطلب وسيلة تواصل سابقة لا يمكن أن تكون الإشارة في الأمور المعنوية.

وتشكل الآية الكريمة 'وعلم آدم الأسماء كلها' الركيزة الأساسية في الفكر الإسلامي لدعم النظرية التوقيفية، حيث يشير النص إلى أن الله منح آدم القدرة على التسمية والبيان. ويرى الباحثون أن تخصيص 'الأسماء' بالذكر يعود لكونها جوهر اللغة والثبات المعرفي، بينما يمكن استكمال الأفعال والحاجات المادية عبر الحركات الجسدية والتفاعل المعيشي اليومي.

ويربط الدكتور بن نعمان بين هذه القدرة اللغوية وبين التكوين الفسيولوجي الفريد للإنسان، حيث أودع الخالق في المخ البشري مراكز للبيان لا توجد في كائنات أخرى. إن وجود الحنجرة والحبال الصوتية المتطورة، بالتوازي مع الاستعداد الفطري لسماع الأصوات البشرية، يجعل من اللغة نظاماً متكاملاً خُلق مع الإنسان ولم يُخترع لاحقاً.

وتذهب الأطروحة إلى أبعد من ذلك باعتبار اللغة العربية هي اللسان الأول الذي تعلمه آدم، مستدلة بأن القرآن الكريم نقل حوارات الأنبياء منذ بدء الخليقة بهذا اللسان المبين. ويُعتقد أن العربية جمعت بين خصائص اللغة الأم واللغات المتفرعة عنها، مما جعلها وعاءً وحيداً قادراً على استيعاب الوحي الخاتم والحفاظ على قواعده النحوية والصرفية دون تغيير.

وفي تحليل لغوي لاسم 'آدم'، يوضح الأكاديمي العراقي ميثم صدام شاطي أن الكلمة تحمل دلالات اشتقاقية عميقة في العربية فقط، حيث ترتبط بـ 'الأدمة' وهي لون بشرة الأرض. هذا الارتباط بين الاسم والمسمى في القالب العربي يعزز فرضية أن الحوار الأول بين آدم وحواء كان بلسان عربي أصيل، قبل أن تتشعب اللغات وتتعدد الألسن عبر العصور.

ويؤكد علماء مثل ابن فارس في كتابه 'الصاحبي' أن لغة العرب توقيفية بامتياز، مستشهداً بتفسيرات ابن عباس التي تفيد بأن الله علم آدم أسماء كل شيء حتى الأشياء الدقيقة التي يتعارفها الناس. هذا المنهج يرى في اللغة العربية نظاماً كاملاً نزل بقواعده، وليس مجرد لهجة تطورت عبر الزمن من أصوات بدائية كما تدعي بعض المدارس اللسانية الغربية.

من جانبه، نقل الإمام أبو الحسن الأشعري هذا المذهب في كتب الأصول، معتبراً أن نقطة البداية الإلهية ضرورية لتجنب معضلة 'الدور والسبق' في نشأة الكلام. فالبشر يحتاجون إلى أداة تواصل ليتفقوا على اللغة، وإذا لم تكن تلك الأداة موجودة أصلاً بفعل الخالق، فإنه من المستحيل منطقياً أن يبدأ التواصل البشري من العدم المحض.

وتتجلى عالمية اللغة العربية وقدرتها التوقيفية في سهولة نطق حروفها من قبل مختلف الأجناس البشرية عند قراءة القرآن الكريم، رغم اختلاف ألسنتهم الأصلية. إن مخارج الحروف العربية تبدو وكأنها صُممت لتناسب الجهاز النطقي لكل إنسان سليم، وهي ميزة فريدة تدعم فكرة أن هذه اللغة هي الأصل الذي فُطر عليه البيان البشري.

كما تبرز خاصية 'الإبدال' في العربية كحل إلهي لتسهيل النطق، حيث تنوب بعض الحروف عن بعضها لتناسب القدرات النطقية المتفاوتة بين البشر. هذه المرونة اللغوية العالية، مع الحفاظ على جوهر المعنى، تعكس حكمة إلهية في جعل هذا اللسان وعاءً عالمياً يتجاوز الحدود العرقية والجغرافية، ويربط الإنسان بأصله الأول.

ويستشهد المقال أيضاً بآراء الدكتور علي فهمي خشيم الذي بحث في الجذور المشتركة بين العربية واللغات القديمة مثل المصرية والأوغاريتية، واجداً كلمات مثل 'أبّ' تحمل ذات المعنى. هذا التشابه الجذري يعزز فكرة وجود لغة أم واحدة، يرى أصحاب هذا التيار أنها العربية التي حفظها الوحي من الاندثار أو التحريف الذي طال اللغات الأخرى.

وفي الختام، يخلص الطرح إلى أن الانتماء للغة العربية هو انتماء لنظام بياني اختاره الله ليكون مفتتح النشأة الإنسانية ومختتمها. إن الربط بين 'الإسلام' كدين توحيدي شامل منذ آدم، وبين 'العربية' كلسان لهذا الدين، يقدم رؤية متكاملة تجعل من اللغة والوحي وجهين لعملة واحدة في مسيرة الهداية البشرية.

إن الجدل بين التوقيف والاصطلاح ليس مجرد ترف فكري، بل هو بحث في هوية الإنسان وجوهر وجوده ككائن ناطق ومكلف. وبحسب هذه الرؤية، فإن اللغة لم تكن يوماً مجرد أصوات عشوائية، بل هي أمانة تعليمية بدأت بكلمة 'اقرأ' واستمرت ببيان إلهي لا يزال يدهش العقول بتركيبه وإعجازه.

دلالات

شارك برأيك

أصل اللغة الإنسانية: هل هي هبة إلهية أم اختراع بشري؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.