أكدت مجلة "نيويوركر" في تقرير تحليلي موسع أن المواجهة العسكرية التي تقودها إدارة ترامب ضد إيران تمثل فشلاً ذريعاً للولايات المتحدة على كافة الأصعدة. وأوضحت المجلة أن هذه الحرب لم تكتفِ بتحقيق نتائج سياسية متواضعة، بل أدت إلى استنزاف هائل في الموارد المالية ومخزونات الذخيرة الاستراتيجية التي كانت تعتمد عليها واشنطن.
وتشير البيانات الاستطلاعية إلى أن هذه الحرب تفتقر إلى الحاضنة الشعبية داخل المجتمع الأمريكي بشكل ملحوظ. إذ أظهر استطلاع حديث أجراه مركز "بيو" للأبحاث أن نحو 60% من البالغين في الولايات المتحدة يعتقدون أن قرار مهاجمة إيران كان خطأً استراتيجياً، مما يعكس فجوة كبيرة بين توجهات الإدارة والرأي العام.
على الصعيد المالي، كشف مسؤولون في البنتاغون خلال شهر مايو الماضي أن فاتورة الحرب كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين ما يقارب 29 مليار دولار. هذه الأرقام الضخمة تأتي في وقت تعاني فيه الميزانية العامة من ضغوط متزايدة، مما يثير تساؤلات حول جدوى الاستمرار في هذا المسار العسكري المكلف.
وفي سياق متصل، أفادت تقارير صحفية بأن الولايات المتحدة استهلكت جزءاً كبيراً من مخزونها الاستراتيجي من صواريخ الاعتراض الدفاعية المتقدمة. والمفارقة تكمن في أن واشنطن أنفقت من هذه الذخائر الحيوية في الدفاع عن الاحتلال الإسرائيلي كميات تفوق ما أنفقته قوات الاحتلال نفسها خلال المواجهات.
من جانبه، انتقد توم فليتشر، منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، حجم الإنفاق العسكري الموجه لما وصفها بـ"الحرب المتهورة". وأشار فليتشر إلى أن هذه الأموال كانت كفيلة بتمويل خطط إغاثية دولية لإنقاذ ملايين البشر الذين يواجهون خطر الموت والجوع في مناطق النزاعات والفقر حول العالم.
ولم تقتصر آثار الصراع على الجانب العسكري، بل امتدت لتضرب مفاصل الاقتصاد العالمي، حيث عانت دول في آسيا وأفريقيا وأوروبا من تبعات حادة. ويعود ذلك إلى الاعتماد الكبير لهذه القارات على إمدادات الطاقة القادمة من منطقة الخليج العربي، والتي تأثرت بشكل مباشر بالتوترات العسكرية.
ووصف فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، أزمة النفط والغاز الحالية بأنها الأشد خطورة منذ سبعينيات القرن الماضي. وأكد بيرول أن العالم لم يشهد من قبل انقطاعاً في إمدادات الطاقة بهذا الحجم، مما وضع استقرار الطاقة العالمي على المحك وأدى لارتفاعات قياسية في الأسعار.
إن المبالغ التي تنفقها الولايات المتحدة على حربها المتهورة كان من الممكن أن تموّل خطة الأمم المتحدة لإنقاذ 87 مليون شخص حول العالم.
ودفعت هذه الأزمة العديد من الدول إلى اتخاذ إجراءات تقشفية قاسية لترشيد استهلاك الوقود وغاز الطهي لمواجهة تناقص الاحتياطيات. وفي دول مثل باكستان والفلبين، اضطرت الحكومات لإغلاق مؤسسات تعليمية وتجارية وفرض العمل من المنازل لتقليل الضغط على شبكات الطاقة المتهالكة.
كما تسببت الحرب في اضطرابات واسعة في سلاسل إمداد المواد الحيوية مثل الأسمدة الكيماوية والبلاستيك، وهي قطاعات تعتمد بشكل أساسي على المشتقات النفطية. هذا التعطل أدى بدوره إلى زيادة تكاليف الإنتاج الصناعي والزراعي، مما فاقم من حدة التضخم العالمي الذي طال الجميع.
وتوقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تباطؤاً ملحوظاً في النمو العالمي، حيث من المرجح أن ينخفض من 3.4% في عام 2025 إلى 2.8% في عام 2026. وأرجعت المنظمة هذا الانكماش الاقتصادي بشكل مباشر إلى الآثار الجانبية المستمرة للحرب والتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
وفي تحليل مالي آخر، حذر معهد الاقتصاد والسلام من أن استمرار الأعمال العدائية أو تصعيدها مع إيران قد يكبد الاقتصاد العالمي خسائر تصل إلى 2.2 تريليون دولار. هذه التقديرات تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية كبرى لوقف النزيف الاقتصادي الذي يهدد استقرار الدول المتقدمة والنامية على حد سواء.
وحذرت الأمم المتحدة من كارثة إنسانية وشيكة، حيث قد يواجه 45 مليون شخص حول العالم خطر الجوع الحاد إذا لم تتوقف الحرب بحلول يونيو الجاري. وترى المنظمة الدولية أن الارتفاع الجنوني في أسعار الغذاء والطاقة جعل تأمين الاحتياجات الأساسية أمراً مستحيلاً للعديد من المجتمعات الفقيرة.
وشددت التقارير على أن التحركات العسكرية التي انتهجتها إدارة ترامب أدت إلى زعزعة ركائز النظام الإنساني العالمي المستقر منذ عقود. وشبه مراقبون الوضع الحالي بسفينة رفعت مرساتها في بحر هائج، مما جعل الركاب في حالة من الدوار وعدم الاستقرار الدائم نتيجة القرارات غير المحسوبة.
ختاماً، يرى المحللون أن الخروج من هذه الأزمة يتطلب مراجعة شاملة للسياسة الخارجية الأمريكية التي أدت إلى هذا الاستنزاف. فالحرب التي أريد لها أن تكون استعراضاً للقوة، تحولت إلى عبء استراتيجي يهدد الأمن القومي الأمريكي والاستقرار الاقتصادي العالمي في آن واحد.





شارك برأيك
نيويوركر: الحرب على إيران فشل استراتيجي واستنزاف غير مسبوق للموارد الأمريكية