تعيش المقاومة الفلسطينية في الوقت الراهن تحديات مركبة تتجاوز المواجهة المباشرة مع آلة الحرب الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية. وتبرز هذه التحديات في الصدام المستمر مع نخب محلية تتبنى سياسات تتماهى مع القوى الخارجية، وهو مسار تاريخي تكرر في تجارب الشعوب المستعمرة عبر ثلاثة أنماط: المقاومة الجذرية، أو التعاون البراغماتي، أو التواطؤ التام.
منذ أوائل العشرينيات، شهد المجتمع الفلسطيني انقساماً طبقياً وسياسياً حاداً تجاه المشروع الصهيوني والانتداب البريطاني. فبينما مالت العائلات الثرية في القدس ويافا إلى نهج المهادنة والمساومة، انخرط الفلاحون والعمال في مقاومة ميدانية مباشرة، مما خلق فجوة عميقة بين القيادة التقليدية والقاعدة الشعبية.
أدى الإحباط من أداء النخب التقليدية إلى ولادة 'حزب الاستقلال' عام 1932، الذي مثّل تطلعات الطبقة الوسطى والمثقفين الشباب. واستلهم قادة الحزب، مثل حمدي الحسيني وعزة دروزة، أساليب العصيان المدني من تجربة غاندي في الهند، داعين إلى مقاطعة شاملة للإدارة البريطانية.
بلغ التوتر ذروته في عام 1933 عندما قاد حزب الاستقلال مظاهرات حاشدة ضد سياسات التهجير الصهيوني وتدفق الهجرات اليهودية. واجهت الشرطة البريطانية هذه التحركات بقوة مفرطة، مما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى في مدينتي يافا وحيفا، وهو ما زاد من اشتعال الشارع الفلسطيني.
في تلك الحقبة، التقت مصالح المندوب السامي البريطاني مع النخب الفلسطينية المتخوفة من فقدان امتيازاتها لتفكيك حزب الاستقلال. وبالفعل نجح هذا التحالف في إضعاف الحزب تنظيمياً بحلول عام 1935، إلا أن الروح الثورية ظلت كامنة في صفوف الشباب والعمال الذين رفضوا الارتهان للوعود البريطانية.
شكل عام 1936 منعطفاً تاريخياً بانطلاق الإضراب العام الكبير الذي استمر لستة أشهر متواصلة، متحدياً رغبة القيادات التقليدية. واضطر السياسيون النخبويون حينها لركوب الموجة الشعبية وتأسيس 'اللجنة العربية العليا' لمحاولة احتواء الزخم الثوري وضبط إيقاع الشارع بما يتوافق مع الضغوط الدولية.
خلال الثورة الفلسطينية الكبرى، ظهرت 'فصائل السلام' كأداة عسكرية مدعومة من بعض عائلات النخبة لمواجهة الثوار الفلسطينيين من الداخل. هذا الطعن في الظهر، بالتزامن مع القمع البريطاني الوحشي، أدى إلى هزيمة الثورة عام 1939، مما مهد الطريق لاحقاً لوقوع نكبة عام 1948 وتمزيق النسيج المجتمعي.
أثبت التاريخ الفلسطيني مراراً أن سياسات الاحتواء والتدجين لم تنجح في كسر الإرادة الوطنية أو تصفية مشروع المقاومة.
بعد النكبة، وتحديداً في الستينيات، صعد جيل جديد من أبناء المخيمات والعمال لقيادة العمل المسلح، وهو ما حاولت النخب الثرية احتواءه لاحقاً. ومع انتزاع منظمة التحرير لصفة الممثل الشرعي والوحيد عام 1974، بدأ المال السياسي العربي يلعب دوراً في ترويض المطالب الوطنية وتحويلها نحو مسارات دبلوماسية.
انتقلت منظمة التحرير تدريجياً من شعارات التحرير الكامل إلى القبول بوهم 'حل الدولتين' تحت ضغوط دولية وإقليمية. وفتحت هذه السياسة الباب أمام حوارات سرية وعلنية مع واشنطن والعواصم الأوروبية، مما أدى في النهاية إلى توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 التي غيرت وجه الصراع.
مثلت اتفاقية أوسلو تحولاً كيفياً، حيث تحولت القيادة الفلسطينية من دور 'المساوم' إلى دور 'الوكيل الأمني' بموجب الالتزامات الموقعة. وأصبحت السلطة الفلسطينية الناشئة تعمل ضمن منظومة تهدف إلى إخماد أي محاولة لإحياء الإرث الكفاحي المسلح، وهو ما خلق حالة من الاغتراب بينها وبين القوى المقاومة.
بلغت استراتيجية القمع ذروتها في عام 2007 عقب الانقلاب على نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت بها حركة حماس. هذا الصدام، الذي تم بتنسيق أمني وسياسي واسع، أعاد للأذهان تجربة 'فصائل السلام' في الثلاثينيات، حيث أصبحت الأجهزة الأمنية تلاحق المقاومين بدلاً من حمايتهم.
يرى مراقبون أن الشعب الفلسطيني يجد نفسه اليوم مضطراً لخوض معركة مزدوجة؛ واحدة ضد الاحتلال وأخرى ضد سلطة تكرس جهودها للتنسيق الأمني. ورغم حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة، تواصل الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية ملاحقة النشطاء والمقاومين، مما يعمق الأزمة الوطنية.
تاريخ الصراع الفلسطيني يشير إلى أن كل محاولات التدجين والاحتواء التي مارستها النخب المتعاونة لم تنجح في إنهاء روح المقاومة. فالمقاومة تظل، رغم الكلفة الباهظة والتضحيات الجسيمة، هي التعبير الحقيقي عن تطلعات الشعب الفلسطيني نحو التحرر والانعتاق من الاستعمار الاستيطاني.
في الختام، يبقى التنافس بين نهج المساومة ونهج المقاومة هو المحرك الأساسي للسياسة الفلسطينية الداخلية منذ أكثر من قرن. ومع استمرار العدوان الإسرائيلي، تزداد القناعة الشعبية بأن المسارات الدبلوماسية المرتهنة للخارج لم تحقق سوى مزيد من الضياع للحقوق الوطنية الثابتة.





شارك برأيك
بين المقاومة والمهادنة: قراءة في تاريخ النخب الفلسطينية وأدوارها السياسية