يبرز التباين الحاد بين الإدارة الأمريكية الحالية ونهج الرئيس الأسبق باراك أوباما في كيفية إدارة الصراع مع طهران، حيث يروج دونالد ترامب لمذكرته الأخيرة بوصفها إنجازاً يتفوق على اتفاق عام 2015. ويرى مراقبون أن المقارنة بين الوثيقتين تكشف عن اختلاف جذري في الفلسفة التفاوضية، حيث انتقلت واشنطن من الاتفاقات الدولية المتعددة الأطراف إلى التفاهمات الثنائية المباشرة.
تعتبر مذكرة التفاهم التي وقعها ترامب مجرد إطار عمل أولي لا يتجاوز الورقة والنصف، وتتضمن 14 نقطة أساسية تهدف لفتح باب التفاوض لمدة شهرين. وفي المقابل، كانت (خطة العمل الشاملة المشتركة) التي وقعها أوباما وثيقة تقنية وقانونية معقدة تجاوزت 160 صفحة، وضعت قيوداً زمنية وهيكلية دقيقة على البرنامج النووي الإيراني.
فيما يخص البرنامج النووي، يزعم ترامب أن طهران لم تتعهد سابقاً بعدم حيازة سلاح نووي، وهي معلومة تخالف نصوص اتفاق 2015 التي تضمنت التزامات صريحة بهذا الشأن. وتعتمد رؤية ترامب الحالية على مسار عام للنقاش خلال 60 يوماً، دون تحديد قيود تقنية فورية على نسب تخصيب اليورانيوم أو عدد أجهزة الطرد المركزي.
تشير التقارير إلى أن المذكرة الحالية تلمح لاستعداد إيران لمعالجة أزمة مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب عبر آلية 'تخفيف التركيز' في مواقعها النووية. ومع ذلك، يظل هذا الإجراء معلقاً بانتظار الاتفاق النهائي، بخلاف اتفاق أوباما الذي فرض رقابة دولية صارمة ولحظية من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
يمثل ملف العقوبات الاقتصادية نقطة الخلاف الأبرز بين النهجين، حيث قدم ترامب حوافز فورية لطهران عبر السماح لها باستئناف تصدير النفط قبل التوصل لاتفاق نهائي. هذا التوجه يمثل انقلاباً على سياسة أوباما التي كانت تشترط التحقق من تنفيذ إيران لالتزاماتها النووية قبل البدء في أي تخفيف تدريجي للعقوبات المفروضة.
تتضمن خطة ترامب بنداً مثيراً للجدل يدعو لإنشاء صندوق تنمية اقتصادية لإيران بقيمة تصل إلى 300 مليار دولار، بمشاركة حلفاء واشنطن في منطقة الشرق الأوسط. وقد أثار هذا المقترح انتقادات واسعة داخل أروقة الحزب الجمهوري، حيث اعتبره البعض تنازلاً مالياً يفوق بكثير ما قدمته إدارة أوباما سابقاً.
بالعودة إلى التاريخ القريب، كان ترامب قد انتقد بشدة إعادة أوباما لمبلغ 1.7 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، واصفاً إياها بالصفقة الكارثية. لكن المعطيات الحالية تشير إلى أن الإدارة الحالية قد تفرج عن مبالغ تضاعف ذلك الرقم بمرات عديدة في إطار سعيها لإنهاء حالة التوتر العسكري في المنطقة.
بينما ركز اتفاق أوباما على تقييد الأنشطة النووية بمعايير صارمة، تفتح مذكرة ترامب الباب أمام تدفقات مالية ضخمة مقابل مسار عام لكبح التسلح.
تختلف المذكرة الحالية عن سابقتها في شموليتها لملفات غير نووية، وعلى رأسها أمن الملاحة في مضيق هرمز الذي تضرر بشدة خلال الأشهر الأربعة الماضية. وكان أوباما قد تعمد فصل الملف النووي عن القضايا الإقليمية لضمان نجاح المفاوضات، بينما يرى ترامب ضرورة دمج كافة الملفات في سلة واحدة.
تصر طهران في المفاوضات الجارية على انتزاع دور إداري وسيادي في مضيق هرمز، وهو مطلب لم يكن مطروحاً قبل اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة في فبراير الماضي. ويمثل هذا المطلب تحدياً كبيراً للمفاوض الأمريكي، حيث قد يؤدي القبول به إلى تغيير موازين القوى البحرية في واحد من أهم ممرات الطاقة عالمياً.
الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير/ شباط الماضي تركت أثراً عميقاً على بنية المفاوضات الحالية، مما جعل إنهاء العمليات العسكرية أولوية قصوى. وتهدف مذكرة التفاهم إلى تحويل هذا الهدوء الهش إلى تسوية مستدامة، رغم العقبات الكبيرة التي لا تزال تعترض طريق الوصول إلى اتفاق نهائي وشامل.
على الصعيد الدبلوماسي، فضل ترامب تهميش القوى الدولية الكبرى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، مركزاً على قناة اتصال مباشرة وثنائية مع القيادة الإيرانية. هذا المسار يمنح واشنطن مرونة أكبر في المناورة، لكنه يضعف من الغطاء الدولي لأي اتفاق قد يتم التوصل إليه في نهاية المطاف.
تفتقر مذكرة التفاهم الحالية إلى آليات التفتيش الصارمة التي كانت تميز اتفاق عام 2015، حيث لم تشر الوثيقة بوضوح إلى عودة المفتشين الدوليين للمنشآت الحساسة. ويرى منتقدون أن هذا الغموض قد يمنح طهران فرصة للمناورة وتطوير قدراتها بعيداً عن أعين الرقابة الدولية خلال فترة الستين يوماً المقررة.
تواجه إدارة ترامب ضغوطاً داخلية من الصقور الذين يرون في الصفقات الاقتصادية المقترحة طوق نجاة للنظام الإيراني المنهك اقتصادياً. وفي المقابل، تراهن الإدارة على أن الانفتاح الاقتصادي سيؤدي بالضرورة إلى تهدئة الطموحات العسكرية الإيرانية وضمان استقرار أسعار الطاقة العالمية التي تأثرت بالحرب.
يبقى السؤال الجوهري حول قدرة الأطراف على تحويل هذه المذكرة المختصرة إلى اتفاقية ملزمة ومفصلة تلبي طموحات كافة الأطراف المعنية. ومع اقتراب نهاية مهلة الستين يوماً، تتجه الأنظار نحو العاصمة واشنطن لمعرفة ما إذا كان ترامب سينجح فعلياً في إبرام 'الصفقة الأفضل' التي وعد بها ناظريه.





شارك برأيك
مقارنة شاملة بين نهج ترامب وأوباما في التعامل مع الملف الإيراني: من الصفقات النووية إلى صناديق التنمية