كشفت مصادر صحفية دولية عن كواليس الساعات الأخيرة والمفاوضات الشاقة التي سبقت الإعلان عن الاتفاق التاريخي بين الولايات المتحدة وإيران. وأشارت المصادر إلى أن أربعة أشهر من المواجهات العسكرية المباشرة وعقوداً من العداء انتهت بتفاهمات معقدة شهدت أزمات متلاحقة وتهديدات بالانهيار في اللحظات الأخيرة.
بدأت اللحظات الأكثر حساسية في وقت متأخر من الليل في طهران، عندما توقف موكب يقل مسؤولين قطريين فجأة وهو في طريقه إلى المطار. وجاء هذا التوقف نتيجة خلاف طارئ حول صياغة البيان النهائي، مما استدعى اتصالات عاجلة لضمان عدم مغادرة الوسطاء قبل التوصل إلى صيغة معلنة ترضي الطرفين.
وفي نهاية المطاف، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف التوصل إلى الاتفاق في تمام الساعة 12:45 بعد منتصف ليل الاثنين بتوقيت طهران. وتبعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتأكيد النبأ، معلناً عن خطوة فورية لرفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية كبادرة حسن نية لتعزيز التفاهم الجديد.
مثلت عطلة نهاية الأسبوع الماضية ذروة الصراع الممتد لـ 47 عاماً، حيث تداخلت الحسابات الاقتصادية مع الطموحات السياسية لترامب في الداخل الأمريكي. وكان الرئيس الأمريكي يسعى لإبرام صفقة تفي بوعوده الانتخابية بمنع إيران من حيازة سلاح نووي، رغم تأجيل التفاصيل التقنية لهذا الملف إلى جولات لاحقة.
من جانبها، تمسكت طهران بما تصفه بحقها في تخصيب اليورانيوم، مركزة جهودها على انتزاع مكاسب اقتصادية كبرى مقابل إعادة فتح مضيق هرمز. ويهدف الاتفاق في جوهره إلى تأمين الملاحة الدولية في المضيق الاستراتيجي مقابل خطة دعم اقتصادي ضخمة لإيران تتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات.
واستندت التقارير الواردة إلى مقابلات مع مسؤولين في واشنطن وأوروبا والشرق الأوسط، أكدوا أن الاتفاق يواجه انتقادات داخلية حادة في الولايات المتحدة. ويرى معارضو ترامب أن الصفقة قدمت تنازلات كبيرة لطهران دون حسم القضية النووية بشكل نهائي، مما يبقي الباب مفتوحاً أمام توترات مستقبلية.
وتضمن الاتفاق إطلاق خطة تنموية بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني المنهك بفعل العقوبات الطويلة. وفي المقابل، أظهرت إيران استعداداً للمناورة حتى اللحظات الأخيرة لانتزاع مزيد من التنازلات، رغم التهديدات العسكرية التي كان يطلقها ترامب بين الحين والآخر.
لقد أوضحنا لهم أنهم لا يملكون أي وسيلة لمواجهتنا، فقالوا: رجاءً لا تفعلوا ذلك، وسنبرم اتفاقاً، وبالفعل أبرمنا الاتفاق بعد ذلك مباشرة.
وعلى الصعيد الإقليمي، أبدى مسؤولون إسرائيليون قلقاً عميقاً من نتائج هذه المفاوضات التي استبعدوا منها، معتبرين أنها تشكل خطراً على أمنهم القومي. وحذر الجانب الإسرائيلي من أن ترك الملف النووي دون قيود صارمة وفورية يمنح طهران فرصة لتعزيز قدراتها العسكرية تحت غطاء الاتفاق الاقتصادي.
لعبت الدوحة دوراً محورياً وحاسماً في تقريب وجهات النظر خلال المراحل النهائية، حيث كثفت اتصالاتها مع القيادة الإيرانية لدفعها نحو الموافقة. وتزامن هذا الضغط مع رغبة ترامب في إنجاز الاتفاق قبل موعد نزال رياضي بارز في البيت الأبيض، مما أضفى طابعاً استعجالياً على المحادثات.
وفي طهران، صادق المرشد الإيراني آية الله مجتبى خامنئي على النص النهائي يوم السبت، محيلاً إياه إلى المجلس الأعلى للأمن القومي. ورغم اعتراض بعض الأعضاء المتشددين، إلا أن التوجه العام داخل مؤسسات الحكم الإيرانية كان يميل نحو قبول الصفقة لتخفيف الضغوط الاقتصادية الخانقة.
وقد شهد يوم الأحد أزمة كبرى كادت تطيح بكل الجهود الدبلوماسية، إثر غارة إسرائيلية استهدفت ضاحية بيروت الجنوبية وأسفرت عن سقوط ضحايا. واعتبرت إيران هذا الهجوم تجاوزاً للخطوط الحمراء، وهددت بتعليق التوقيع والرد عسكرياً عبر إطلاق صواريخ باليستية باتجاه أهداف إسرائيلية.
تدخلت الوساطة القطرية مرة أخرى وبشكل مكثف لتهدئة الغضب الإيراني، وأجرت اتصالات رفيعة المستوى مع مسؤولين أمريكيين وإيرانيين لمنع التصعيد. وأقنع الوسطاء الجانب الإيراني بأن التصعيد العسكري سيخدم الأطراف التي تسعى لإفشال الاتفاق، وهو ما أدى في النهاية إلى تراجع طهران عن الرد الفوري.
ترامب من جهته، انتقد التوقيت الإسرائيلي للغارة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكداً أنها ما كان ينبغي أن تحدث في هذا التوقيت الحرج. وأكد مسؤولون في إدارته أن قرار التنفيذ الفوري لرفع الحصار البحري جاء لتبديد الشكوك الإيرانية وإثبات جدية واشنطن في المضي قدماً بالاتفاق.
ختاماً، يظل الاتفاق الأمريكي الإيراني الجديد اختباراً حقيقياً لقدرة الطرفين على الالتزام بتعهداتهما في ظل بيئة إقليمية ملتهبة. وبينما يحتفل البيت الأبيض بما يراه إنجازاً دبلوماسياً، تترقب العواصم العالمية مدى تأثير هذا التحول على توازنات القوى في منطقة الشرق الأوسط.





شارك برأيك
كواليس الساعات الأخيرة: كيف أُبرم الاتفاق الأمريكي الإيراني بوساطة قطرية؟