شهدت منطقة الشرق الأوسط توتر شديدا لم يكن معهودا من قبل ولم يكن متوقعا بتفاصيله الكارثية على المنطقة والتي حدثت بسبب الحرب الامريكية الإسرائيلية الإيرانية ما تسبب في ان تشهد طرق الملاحة في الخليج العربي حالة ارباك كالتي حدثت اثناء الحرب وبالتالي تأثرت أسواق النفط العالمية بحالة من عدم الاستقرار لم تمر بها منذ سنوات طويلة، وكانت أسعار النفط بالأسواق العالمية ترتفع في غالب الأحيان عندما كانت طرق الملاحة في ممر هرمز تتعطل او يحدث ارباك، ما جعل الحرب تبدو في صورتها النهائية حرب مضائق، لكنها بالحقيقة كانت حربا من اجل النفط كهدف استراتيجي امريكي. ولعل قضية انهاء النووي الإيراني وتجريد إيران من ما تملكه من يورانيوم استطاعت تخصيبه على مدار سنوات وعقود قضية استراتيجية كبيرة للطرفين الأمريكي والإسرائيلي في آن واحد ولعل تجريد إيران من اليورانيوم المخصب لإنتاج سلاح نووي هو هدف مشترك بين أمريكا وإسرائيل لتبقى اسرائيل الدولة التي تتفوق استراتيجيا في مجال السلاع حتى السلاح الغير تقليدي. وقد تكون هناك اهداف أمريكية اخرى غير معلنة للحرب على إيران، لكن في الغالب هذه الأهداف جميعها ستتكشف لاحقا بفعل عوامل التعرية التي ستكشف حجم فواعل هذه الحرب باتجاه ثروات المنطقة ما يتطلب إدارة التوازنات في المنطقة يحذر شديد.
كشفت الحرب انه بات من المستحيل تحقيق توازنات في المنطقة بالقوة العسكرية، لان كثيراً من حسابات الأطراف لم تكن دقيقة قبل بدء الحرب فكان يُعتقد انه في اول عشرة أيام سيختل النظام الإيراني ويبدأ في الترنح ويسقط، لكن ما كان في الحسابات لم يحدث وسرعان ما امتصت إيران الصدمة الأولى في الحرب وتجاوزت صدمة فقدانها العديد من قياداتها العسكرية والسياسية والروحية وواجهت أمريكا وإسرائيل بقوة، بل استطاعت إيران توجيه ضربات قوية لقواعد أمريكا في المنطقة وهذا بحد ذاته لم يؤثر كثيرا على تلك الدول الا ان إيران تعدت بعض الخطوط الافتراضية للحرب باستهداف بعض المواقع المدنية في الكويت كمطار الكويت وأبوظبي والبحرين وكثير من مواقع الصناعات البتروكيماوية والموانئ، حتى اهداف لم تكن في مخيلة احد استطاعت ان تصل اليها إيران. كل هذا أحدث حالة من العداء بين تلك الدول وإيران بالرغم من تصريحات (عباس عراقجي) وزير الخارجية الإيراني بان إيران تحترم الدول الجارة في المنطقة ولا تستهدف هذه الدول الا ان الواقع كان غير ذلك.
بعد وساطة قوية من الباكستان وقطر وبعض دول المنطقة أعلن ترامب التوصل لاتفاق بين أمريكا وإيران، أطلق عليها مذكرة التفاهم لتؤسس لمفاوضات خلال 60 يوما حول القضايا الكبيرة مثل اليورانيوم وبعض القضايا والبنود التي لم يكشف عنها بعد. ما رشح من معلومات افاد ان الاتفاق تضمن عددا من البنود الهامة وأهمها ان يقضي الاتفاق بوقف فوري لجميع الاعمال العدائية في جميع الساحات بالاقليم، الا ان الاخبار المؤكدة تقول ان الاتفاق يشمل لبنان فقط والبند الثاني ان تتعهد الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الإيرانية الداخلية واحترام سيادة إيران ورفع الحصار البحري المفروض على إيران في الأشهر الأخيرة والذي فرض طوال فترة المفاوضات والتي توسطت فيها الباكستان بقوة على ان يرفع الحصار البحري خلال 30 يوما، وقضى الاتفاق بان يعاد فتح مضيق هرمز أيضا خلال 30 يوما وان تلتزم الولايات المتحدة بسحب قواتها من المنطقة المتاخمة لإيران، وقد وافقت أمريكا على تعليق العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران في مجال منع تصدير النفط الإيراني والمنتجات البتروكيماوية, ومنح الاتفاق إيران حق الوصول الكامل الى عائداتها فضلا عن التزام الولايات المتحدة وحلفائها بتقديم خطة لإعادة اعمار إيران. في المقابل تعهدت إيران في اطار الالتزام بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بعدم انتاج أي أسلحة نووية وتعهدت أمريكا بالمقابل بعدم ارسال أي قوات إضافية للمنطقة وتعهدت أمريكا بالإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة على ان تفرج عن نصف المبلغ قبل المحادثات التي ستجري بعد التوقيع على الاتفاق. ونص الاتفاق على إيجاد آلية لمراقبة تنفيذ الاتفاق وموافقة مجلس الامن الدولي على هذا الاتفاق ضمن البند السابع ليصبح ملزم للطرفين اما تنظيم الملاحة في مياه الخليج العربي فانه سيكون بالتعاون بين إيران وسلطنة عمان.
إسرائيل لم يعجبها الاتفاق واعتبر مسؤولون إسرائيليون ان هذا الاتفاق يمثل اخفاقا استراتيجيا لا يجوز الموافقة عليه، وبالتالي فهو غير ملزم لإسرائيل وطالب بعض المسؤولين الجيش الإسرائيلي ان يبقي في مواقعه داخل لبنان والا ينسحب وقالت صحيفة معاريف," ان إيران تثبت مجدداً انها الطرف الأقوى في المنطقة وهي التي تحدد ما سيحدث مستقبلا" اما وزير جيش الاحتلال (يسرائيل كاتس) فقد قال "انه ونتنياهو يتبنوا سياسة واضحة تقضي على ان الجيش سيظل في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة وترفض سحب الجيش من هذه المناطق واذا هاجمت إيران إسرائيل بسبب احداث لينان فسوف نهاجمها بقوة" , وقالت وسائل اعلام إسرائيلية واهمها صحيفة معاريف ان إيران هي المنتصرة الكبرى بلا منازع والولايات المتحدة وإسرائيل تجران ازيال الخيبة والهزيمة والإيرانيون ازكي من نخبة القيادة الإسرائيلية.
وهذا يعني ان إسرائيل تعتبر نفسها خارج الاتفاق وقد لا تلتزم به الا إذا فرضت عليها أمريكا ذلك وهذا لا يأتي بسهولة, فعلى إدارة ترمب ان تكشر عن انيابها إذا اردت ان يمضي هذا الاتفاق قدما ويحقق السلام في المنطقة والا يقدم نتنياهو على تخريبه ولدى إدارة ترمب كثيرا من الأدوات والأساليب لفعل ذلك أهمها التخلي عن إسرائيل إذا ما استمرت إسرائيل في الاعمال العدائية تجاه إيران او اتجاه لبنان ولم تلتزم بما جاء في الاتفاق بخصوص لبنان. ان تحقيق السلام في المنطقة واستقرارها مرهون بتعهد كل طرف بما تعهد به أمريكا وبعدها إسرائيل وإيران وبعدها حزب الله ومرهون بنجاح أمريكا في إلزام إسرائيل باحترام الاتفاق بشد لجام نتنياهو المتفلت من الاتفاق ويريد ان يبقي يدي إسرائيل منفلته هنا او هناك مع ان الاتفاق ركز على لبنان كجبهة زات أولية كبيرة وركز على وقف الاعمال العدائية بشكل مؤكد في الاقليم.
يبدو ان غزة لم غير مشمولة بالاتفاق بأي شكل من الأشكال وذلك بحسب اعتقادي ان لغزة خطة تم إعلانها في أكتوبر 2025 لإنهاء الحرب على غزة وهناك مجلس للسلام تم تأسيسه يتولى تنفيذ بنود الخطة بالرغم انها عالقة في هذه الأوقات لكن اعتقد ان توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني سيفتح الباب امام فتح ملف غزة والدفع قدما بأحراز تقدم على صعيد تنفيذ المرحلة الثانية واستكمال تنفيذ المرحلة الاولي والوسطاء في قطر ومصر وتركيا يبذلوا جهود جبارة لتحقيق ذلك في هذه الاثناء. الحقيقة ان هذا الاتفاق ان وصل للنهاية فانه سيحقق استقرار كبير في المنطقة ويكون هذا الاتفاق نزع فتيل متفجر كان على مدار عقود لكن لابد وان يكون هذا اتفاق يمهد السبل امام اصلاح العلاقات العربية الإيرانية والتي لم يأتي الاتفاق عليها بعد والايام من شانها ان تحقق ذلك ان التزمت إيران بمبدأ الجوار واحترمت سيادة هذه الدول وحقها في استضافة أي قواعد اجنبية على أراضيها ما لم تهدد هذه القواعد حالة الاستقرار في المنطقة وأؤكد ان حالة الاستقرار هذه ستكون مبنية على أساس إدارة التوازنات في المنطقة ويلتزم كل محور من المحاور بمبدأ عدم التعدي على مصالح الطرف الاخر على ان يكون هناك خطوط تلزم الجميع بالتفاهم المشترك لصالح الاستقرار والسلام الشامل.
أقلام وأراء
الخميس 18 يونيو 2026 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
هل يحقق اتفاق أمريكا وإيران السلام في المنطقة العربية؟