لدي سؤال أخشى أن كثيرين لا يريدون سماعه.
ليس: من سرق الأرض الفلسطينية؟ فالإجابة معروفة.
وليس: من صادر الحقوق الفلسطينية؟ فالإجابة معروفة أيضاً.
سؤالي مختلف، وربما أكثر إيلاماً: من سرق الحلم الفلسطيني؟
من أوصلنا إلى لحظة أصبح فيها آلاف الشباب الفلسطينيين يفكرون في كيفية مغادرة الوطن أكثر مما يفكرون في كيفية بنائه؟
ومن أوصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الحصول على تأشيرة سفر أقرب إلى الحلم من الحصول على فرصة حياة كريمة داخل الوطن؟
قد يرى البعض أن هذا السؤال مبالغ فيه، لكن الواقع يقول غير ذلك. يكفي أن تجلس مع مجموعة من الشباب الفلسطينيين في جامعة أو شركة أو مقهى أو حتى في جلسة عائلية، حتى تكتشف أن الحديث عن الهجرة لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية.
وأصبح السؤال الأكثر تداولاً ليس: كيف نبني المستقبل؟ بل: أين يمكن أن نجد مستقبلاً؟
هنا تكمن المشكلة. وهنا يبدأ القلق الحقيقي.
غزة تعرضت لواحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث. والضفة الغربية تواجه تمدداً استيطانياً غير مسبوق. والقدس تتعرض لمحاولات متواصلة لتغيير هويتها وواقعها. وفي الوقت نفسه تتزايد أعداد الشباب الذين يبحثون عن فرصة للرحيل.
قد تبدو هذه الملفات منفصلة، لكنها في الحقيقة ليست كذلك.
إنها أعراض لأزمة واحدة. أزمة اسمها فقدان الثقة بالمستقبل. فالقضية لم تعد اقتصادية فقط. وليست سياسية فقط. وليست مرتبطة بالحرب أو الاحتلال فقط. القضية أن الفلسطيني بدأ يشعر بأن المستقبل أصبح أكثر غموضاً من أي وقت مضى. وهذه أخطر لحظة يمكن أن تصل إليها أي حركة تحرر وطني. لقد عاش الفلسطيني طوال عقود وهو مستعد للتضحية بمستقبله الشخصي من أجل القضية الوطنية. كان مستعداً لتحمل السجن والحصار والبطالة والملاحقة، لأنه كان يرى في نهاية الطريق أملاً يستحق التضحية.
أما اليوم فنحن أمام معادلة مختلفة. ولعلها أخطر معادلة شهدها المجتمع الفلسطيني منذ النكبة. لأول مرة يصبح الخوف على المستقبل الشخصي أقوى من الخوف على ضياع الوطن. ولأول مرة يصبح سؤال: "كيف أنقذ مستقبلي؟" أكثر حضوراً من سؤال: "كيف أساهم في إنقاذ وطني؟"
ليس لأن الانتماء الوطني تراجع. وليس لأن الفلسطيني فقد ارتباطه بأرضه. بل لأن الثقة بأن التضحيات ستقود إلى نتائج بدأت تتآكل.
وهنا يجب أن نتحلى بالشجاعة الكافية لمواجهة الحقيقة. نعم، الاحتلال يتحمل المسؤولية الكبرى عن هذا الواقع. لكن هل الاحتلال وحده مسؤول عن فقدان الأمل؟ هل الاحتلال وحده مسؤول عن شعور الشباب بأن السياسة لم تعد قادرة على إنتاج حلول؟
وهل الاحتلال وحده مسؤول عن تراجع الثقة بالمؤسسات والعمل العام؟ هنا تبدأ الأسئلة التي لا يحب أحد سماعها. لقد نجحت الفصائل الفلسطينية في الحفاظ على وجودها التنظيمي. لكنها فشلت في إقناع جيل جديد بجدوى العمل السياسي. ونجحت في حماية هياكلها. لكنها فشلت في تجديد خطابها وأدواتها ورؤيتها للمستقبل. وأمضت سنوات طويلة في إدارة خلافاتها أكثر مما أمضتها في بناء مشروع وطني جامع.
نشأ جيل كامل وهو يرى الانقسام أكثر مما يرى الوحدة. ويرى الصراعات الداخلية أكثر مما يرى الإنجازات.
ويرى الخطابات أكثر مما يرى النتائج.
ولهذا فإن المشكلة لم تعد أن الشباب فقدوا الثقة بهذا الفصيل أو ذاك. المشكلة أن كثيرين منهم بدأوا يفقدون الثقة بأن السياسة نفسها قادرة على تغيير شيء. وهذه ليست أزمة فصائل فقط. إنها أزمة وطنية عميقة. فكل شعب يستطيع أن يتحمل الألم عندما يرى هدفاً واضحاً في نهاية الطريق.
وكل شعب يستطيع أن يصبر على المعاناة عندما يؤمن بأن تضحياته تقوده إلى مكان ما. أما عندما يختفي الطريق نفسه، فإن الألم يتحول إلى عبء، والتضحية تتحول إلى سؤال. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. الخطر ليس في الهجرة بحد ذاتها.
فالشعوب تهاجر وتعود. والكفاءات تنتقل بين الدول. لكن الخطر أن يتحول فقدان الأمل إلى ثقافة عامة. وأن يتحول الإحباط إلى قناعة جماعية. وأن يتحول الوطن في وعي أبنائه من مشروع مستقبل إلى مجرد مكان للذكريات. في كل مرة يغادر طبيب أو مهندس أو باحث أو رائد أعمال، لا نخسر فرداً فقط. بل نخسر جزءاً من القدرة على بناء فلسطين التي نحلم بها. وفي كل مرة يفقد شاب ثقته بالمستقبل، لا نخسر حلماً فردياً فقط. بل نخسر حجراً جديداً من أساس المشروع الوطني نفسه.
لهذا فإن السؤال الذي يجب أن يواجه الجميع، من الفصائل إلى المؤسسات إلى النخب السياسية والاجتماعية، ليس كم شاباً هاجر هذا العام.
بل لماذا أصبح الرحيل حلماً جماعياً؟ ولماذا أصبح البقاء يحتاج إلى مبررات؟ ولماذا يشعر بعض الشباب أن مستقبلهم أكثر وضوحاً خارج فلسطين منه داخلها؟ هذه ليست أسئلة ضد أحد. إنها أسئلة من أجل فلسطين. إن القضية الفلسطينية لم تكن يوماً قضية أرض فقط.
كانت دائماً قضية إنسان يؤمن بأن لهذه الأرض مستقبلاً يستحق البقاء من أجله. لقد نجح الاحتلال في مصادرة الأرض. ونجح في تقييد الحركة. ونجح في فرض وقائع قاسية على حياة الفلسطينيين. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا أكثر من كل ذلك:
هل نجحنا نحن أيضاً، من حيث لا ندري، في مصادرة الأمل؟
لأن الوطن لا يخسر عندما يهاجر بعض أبنائه. والوطن لا يضعف عندما يمر بأزمة أو حتى بنكبة. الوطن يبدأ بالخسارة الحقيقية عندما يصبح الرحيل حلماً. ويصبح البقاء عبئاً. ويصبح الأمل استثناءً. عندها لا يعود السؤال: من سرق الأرض؟ بل يصبح السؤال الذي يجب أن يهز ضميرنا جميعاً:
من أوصل الفلسطيني إلى لحظة يخاف فيها على مستقبله أكثر مما يخاف على وطنه؟
ومن سيعيد لهذا الجيل إيمانه بأن فلسطين ليست مجرد قضية تستحق الدفاع عنها... بل مستقبل يستحق أن يُعاش من أجله؟
أقلام وأراء
الخميس 18 يونيو 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
من سرق الحلم الفلسطيني؟