أقلام وأراء

الخميس 18 يونيو 2026 7:37 صباحًا - بتوقيت القدس

منهجية اختيار الكتب وبناء الوعي: رؤية المفكر عبد الكريم بكار لترشيد القراءة

في ظل الطفرة المعلوماتية الهائلة التي يشهدها العصر الحديث، لم يعد التحدي يكمن في توفر مصادر المعرفة، بل في القدرة على الانتقاء الواعي لما يستحق القراءة. إن العمر الزمني للإنسان يظل قاصراً عن الإحاطة بكل ما ينتجه العقل البشري، مما يفرض ضرورة تبني معايير دقيقة للاختيار تضمن بناء وعي حقيقي وتميز فكري بعيداً عن العشوائية.

يرى المفكر عبد الكريم بكار أن القراءة ليست مجرد تزجية للوقت، بل هي استثمار استراتيجي للعقل والزمن. ويشير إلى أن القارئ الذي يطالع كتاباً واحداً أسبوعياً على مدار ستة عقود لن يتجاوز رصيده ثلاثة آلاف كتاب، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بملايين العناوين المتاحة، مما يجعل جودة الاختيار مسألة وجودية تتعلق بقيمة الحياة ذاتها.

تنتقد الرؤية المنهجية واقع التأليف في العالم الإسلامي، حيث تفيض المكتبات بمؤلفات سطحية تفتقر للعمق البحثي والجهد الفكري الرصين. هذه الكتب، بحسب وصف المصادر، لا تختلف كثيراً عن أحاديث المجالس العامة، مما يتطلب من القارئ الجاد حذراً شديداً في اختيار ما يضيف لرصيده المعرفي ويحقق له نمواً حقيقياً.

تعتمد المنهجية المقترحة على قاعدة ذهبية توازن بين التخصص والشمولية، حيث يُنصح بتخصيص 70% من الجهد القرائي لمجال تخصصي محدد. هذا التركيز يهدف إلى صناعة مرجعيات علمية قادرة على الإضافة للتراكم المعرفي، بينما تُخصص النسبة المتبقية للاطلاع على العلوم الأخرى لضمان امتلاك رؤية مجتمعية شاملة.

يحذر بكار من الانغلاق التخصصي التام الذي قد يحول الخبراء إلى أدوات في أيدي القوى المؤثرة نتيجة غياب الوعي العام. فالقراءة في مجالات متنوعة تمنح المتخصص سياقاً أوسع لفهم دوره في المجتمع، وتحميه من السطحية التي قد تنتج عن تشتت القراءة في كل اتجاه دون رابط منهجي واضح.

يُشدد المنهج على ضرورة العودة إلى 'النبع الصافي' من خلال القراءة لرواد العلوم ومنهجيها الأوائل بدلاً من الاكتفاء بالملخصات أو كتب الباحثين الأقل خبرة. إن الوصول إلى أمهات الكتب والمراجع الكبرى يختصر المسافات المعرفية ويمنح القارئ أساساً صلباً لا يتوفر في الكتابات الثانوية أو المكررة.

تتطلب القراءة الواعية أدوات عملية، منها مرافقة القلم والورقة للقارئ لتسجيل الملاحظات ونقاط القصور في الطرح. هذه العملية تحول القارئ من متلقٍ سلبي إلى شريك في العملية الفكرية، حيث يبحث عن الفجوات التي لم يغطها المؤلف ويقترح حلولاً إضافية تعزز من قدرته على التفكير المستقل.

عند دراسة تخصص معين، يُنصح بالبدء بكتاب مرجعي مشهور، ثم الانتقال إلى مراجع تعرض وجهات نظر مغايرة ومختلفة. هذا التعدد في المصادر يحمي القارئ من الوقوع في فخ الرؤية الأحادية، ويضعه في قلب الجدل العلمي الذي يميز التخصصات الحية، مما ينمي لديه ملكة النقد والمقارنة.

بعد الإحاطة بالأصول المرجعية، يمكن للقارئ الانتقال إلى القراءة السريعة للمؤلفات الأخرى في ذات المجال. الهدف هنا هو رصد المشكلات الجديدة أو الحلول المبتكرة دون الحاجة للغوص في التفاصيل المكررة، مما يوفر الوقت والجهد ويسمح بمتابعة أحدث التطورات في التخصص المختار.

تعد القراءة الناقدة ركيزة أساسية في بناء المنهج الفكري، حيث يجب اختبار صدق الأفكار الجديدة وفحص دلالاتها قبل تبنيها. ورغم صعوبة ذلك على المبتدئين، إلا أن الممارسة المستمرة تهيئ العقل ليكون أرضاً خصبة لنمو الأفكار المستقلة والبعيدة عن التبعية الفكرية العمياء.

مع مرور الوقت والممارسة المنهجية، يطور القارئ ما يمكن تسميته بـ 'حاسة الاستشعار المعرفي'. هذه الحاسة تمكنه من تقييم القيمة العلمية لأي كتاب بمجرد قراءة صفحة واحدة منه، مما يساعده في تصفية آلاف الكتب وتحديد ما يخدم مشروعه الثقافي الخاص بدقة متناهية.

إن امتلاك منهج خاص في التفكير هو الثمرة النهائية للقراءة المنظمة والناقدة، حيث يصبح القارئ قادراً على وزن الأفكار وتثمينها. هذه المرحلة تمثل النضج المعرفي الذي يتيح للفرد التمييز بين الغث والسمين في عالم يموج بالمعلومات المتضاربة والمحتوى الضحل.

توصي الرؤية بضرورة إعادة قراءة الكتب المركزية بعد فترات زمنية متباعدة، لأن النمو الثقافي للقارئ يجعله يرى النص بعيون جديدة. فما قد يبدو عادياً في القراءة الأولى قد يظهر بعمق مختلف في المرة الثانية، مما يسمح بتسليط أضواء نقدية أقوى وربما الإضافة إلى النص الأصلي.

في الختام، تهدف هذه الإرشادات إلى تحويل القراءة من مجرد تراكم كمي للمعلومات إلى أداة فعالة لبناء الوعي وتنمية التفكير الموضوعي. إن ترشيد الخيارات المعرفية هو الخطوة الأولى نحو صناعة شخصية علمية قادرة على مواجهة تحديات العصر والمساهمة في النهضة الفكرية للمجتمع.

دلالات

شارك برأيك

منهجية اختيار الكتب وبناء الوعي: رؤية المفكر عبد الكريم بكار لترشيد القراءة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.