أقلام وأراء

الأربعاء 17 يونيو 2026 10:55 صباحًا - بتوقيت القدس

التراجع ليس دائماً خسارة


نحن نعيش  في عصر  تتسابق  فيه الأنظمة التعليمية نحو الرقمنة، وتتباهى المدارس بعدد الشاشات الذكية في فصولها، ولكن بعض الدول تختار التراجع خطوة إلى الوراء. هل يمكن أن يكون التراجع في التعليم خطوة نحو التقدم؟ هذا السؤال أصبح واقعاً  يُفرض على طاولات صناع القرار التربوي. فبينما نندفع نحن نحو إدخال الأجهزة اللوحية إلى حقائب أطفالنا في الصفوف الأولى، كانت السويد، التي كانت ولا زالت  نموذجاً في التعليم الرقمي، تتخذ قراراً جريئاً بإعادة الكتب الورقية وأقلام الرصاص إلى فصولها الابتدائية. هذا التحول  جاء بعد أن دقت مؤشرات ضعف القراءة والكتابة ناقوس الخطر، ليفتح الباب أمام نقاش عالمي حول فكرة “التراجع الواعي”.
الظاهرة بدأت تتشكل بوضوح في دول أوروبية عدة. السويد، على سبيل المثال، أعلنت على لسان وزيرة مدارسها لوتا إدهولم عن سياسة جديدة تعيد الاعتبار للورق، وتزيل الأجهزة اللوحية من رياض الأطفال والصفوف الدنيا. وفنلندا، التي طالما تصدرت مؤشرات التعليم العالمية، بدأت بعض مدارسها تعود عمداً للتعلم الورقي بعد ملاحظة تراجع في نتائج الطلاب. هذا التوجه لا أدعي تصنيفه  فشلاً للتكنولوجيا، ولا إعلاناً للحرب عليها، بل هو تحول في السياسات يقر بأن إغراق الأطفال في الشاشات مبكراً قد يكون له ثمن باهظ. نحن هنا لا نتحدث عن رفض التقدم، بل عن إعادة تقييم لمدى ملاءمة هذا التقدم للمراحل العمرية الحساسة.
تربويا، تكمن المشكلة في الخلط بين سهولة الاستخدام وجودة التعلم. التفاعل الرقمي، بطبيعته، يميل إلى السرعة والسطحية. الشاشة تقدم المعلومة جاهزة، ملونة، ومتحركة، مما يقلل من الجهد الذهني المطلوب لاستيعابها. في المقابل، التعلم الحسي، مثل الكتابة اليدوية وتقليب صفحات الكتاب، يتطلب تفاعلاً أبطأ وأكثر عمقاً. التكنولوجيا تختصر الطريق، هذا صحيح، لكنها أحياناً تختصر التعلم نفسه. عندما يضغط الطفل على شاشة ليختار الإجابة الصحيحة، فإنه لا يمر بنفس العملية المعرفية التي يمر بها عندما يمسك القلم، ويرسم الحرف، ويشعر باحتكاك الرصاص على الورق. هذا الجهد العضلي والذهني هو الذي يبني مسارات عصبية قوية في الدماغ.
علمياً، تؤكد دراسات في علم الأعصاب أن الكتابة اليدوية ليست فقط  مهارة حركية، بل هي أداة حيوية لتطوير الدماغ. تشير أبحاث تربوية، مثل دراسة “فان دير ويل” و”فان دير مير” في النرويج، إلى أن نشاط الدماغ يكون أعلى بكثير عند الكتابة باليد مقارنة بالكتابة على لوحة المفاتيح. المعالجة العميقة للمعلومات تحدث عندما نضطر إلى إبطاء إيقاعنا، وهو ما يوفره الورق والقلم. القراءة من الشاشة غالباً ما تشجع على التصفح السريع والقفز بين السطور، بينما القراءة الورقية تعزز الاستيعاب العميق والصبر المعرفي. إننا، بإلغاء هذه الأدوات التقليدية مبكراً، قد نكون نحرم أدمغة الأطفال من تمرينها الأهم.
من هنا، يجب إعادة تأطير مفهوم “التراجع”. التراجع عن الاستخدام المكثف للتكنولوجيا في الصفوف الدنيا ليس هزيمة، بل هو مراجعة نقدية شجاعة. إنه شجاعة مؤسسية تعترف بأن المسار الذي سلكناه قد يحتاج إلى تعديل. التقدم الحقيقي ليس خطاً مستقيماً يندفع للأمام بلا هوادة، بل هو عملية تصحيح مستمر. أن ندرك متى نتوقف، ومتى نعود خطوة للوراء لنثبت أقدامنا، هو قمة النضج الإداري والتربوي. التراجع هنا يعني إعادة التوازن، وإعطاء كل مرحلة عمرية ما يناسبها من أدوات، دون الانبهار الأعمى ببريق الشاشات.
في سياقنا العربي، يبدو هذا النقاش أكثر إلحاحاً. نحن نواجه تحديات حقيقية في مستويات القراءة والكتابة باللغة العربية، وهناك خطر مقلق في تبني التكنولوجيا بشكل غير مدروس، وكأنها عصا سحرية ستحل مشاكلنا التعليمية المتجذرة. هل نحن نُسرع في تبني أدوات لم نُتقن أساساتها بعد؟ إن الاندفاع نحو رقمنة الفصول دون بناء أساس متين من المهارات القرائية والكتابية قد يعمق الفجوة بدلاً من ردمها. نحن بحاجة إلى توازن، إلى سياسات تعليمية تدرك أن التكنولوجيا يجب أن تخدم التعلم، لا أن تقوده.
الرؤية المستقبلية تتطلب استخدام التكنولوجيا بشكل تكميلي وليس كبديل مطلق. يجب تأخير الاستخدام المكثف للأجهزة إلى المراحل العليا، حيث يكون الطالب قد امتلك أدواته المعرفية الأساسية، وأصبح قادراً على توظيف التكنولوجيا للبحث والتحليل، وليس مجرد التلقي السلبي. كما يتطلب الأمر تدريب المعلمين على التوظيف الذكي لهذه الأدوات، بحيث يعرفون متى يفتحون الشاشات ومتى يغلقونها لصالح كتاب ورقي أو نقاش حي. التركيز يجب أن يعود إلى المهارات الأساسية أولاً، لأنها الأساس الذي يُبنى عليه كل تعلم لاحق.
في التعليم، كما في الحياة، ليس كل رجوع إلى الوراء هزيمة، بل أحياناً هو الطريق الوحيد للانطلاق من جديد. أن نعيد القلم والورقة إلى أيدي أطفالنا ليس نكوصاً إلى الماضي، بل هو حماية لمستقبلهم المعرفي. قد يكون التراجع، في لحظات الانبهار التكنولوجي المفرط، هو الشكل الأكثر نضجاً للتقدم.

دلالات

شارك برأيك

التراجع ليس دائماً خسارة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.