تاريخياً، لم تكن القاهرة مجرد عاصمة سياسية، بل كانت محضناً للابتكار العالمي حين أتم العالم المصري الحسن بن الهيثم كتابه 'المناظر' قبل ألف عام، واضعاً أسس علم البصريات الحديث. هذا الإرث العلمي يؤكد أن الموهبة المصرية متجذرة، لكن الفارق اليوم يكمن في المنظومة التي تحتضن هذه المواهب أو تدفعها للهجرة نحو الخارج.
يعيش العالم اليوم سباقاً محموماً على براءات الاختراع والخوارزميات، حيث باتت القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا تتجاوز الناتج المحلي لدول بأكملها. فعلى سبيل المثال، تخطت قيمة شركة 'إنفيديا' حاجز 5.4 تريليون دولار في يونيو 2026، مما يبرهن على أن الثروة الحقيقية انتقلت من باطن الأرض إلى عقول البشر.
تمتلك مصر نافذة ديموغرافية تاريخية بوجود نحو 60 مليون شاب تحت سن الثلاثين، وهو ما يمثل وقوداً محتملاً لنهضة معرفية شاملة. ومع ذلك، فإن هذه الطاقة البشرية قد تتحول إلى عبء في قوائم البطالة إذا لم يتم استيعابها ضمن منظومة اقتصادية تشجع الابتكار وتوفر التمويل اللازم للمشاريع الناشئة.
تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن الاستثمار في البحث العلمي ليس ترفاً، بل هو استثمار رابح بامتياز، حيث يعود كل دولار منفق بعائد يصل إلى عشرة دولارات. الدول التي حققت قفزات تنموية مثل كوريا الجنوبية وفنلندا، رفعت إنفاقها على البحث والتطوير ليتجاوز 3% من ناتجها المحلي، مما منحها تفوقاً تقنياً مستداماً.
من منظور إسلامي، تعتبر المعرفة جوهر الرسالة وعماد الحضارة، حيث كانت كلمة 'اقرأ' إعلاناً بتأسيس أمة تقوم على العلم. الفقه الإسلامي أدرج 'حفظ العقل' كأحد المقاصد الخمسة الكبرى، مما يعني وجوب تنميته وتوظيفه في خدمة المجتمع، واعتبار الابتكار في مجالات الدواء والتقنية واجباً كفائياً.
بالنظر إلى الواقع المصري الحالي، نجد فجوة واضحة بين الاستراتيجيات المكتوبة والتنفيذ الفعلي على أرض الواقع. فرغم وجود عشرات الوثائق للتحول الرقمي، لا تزال مصر في المرتبة 94 عالمياً في مؤشر الابتكار، وهو مركز لا يتناسب مع حجم إمكانياتها البشرية والتاريخية.
يبلغ الإنفاق الحالي على البحث والتطوير في مصر نحو 1% فقط من الناتج المحلي، وهو نصف المعيار الدولي المقبول تقريباً. هذا النقص في التمويل يؤدي إلى بقاء آلاف الأبحاث العلمية حبيسة الأدراج في الجامعات، دون وجود جسر حقيقي يربط بين البحث العلمي وقطاع الصناعة والإنتاج.
العالم انتقل من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الأفكار، ومن ثروة الأرض إلى ثروة العقل، وفي هذا العالم الجديد تملك مصر ما لا تملكه دول غنية: مئة مليون إنسان.
تعاني الشركات الناشئة في مصر من تعقيدات إدارية وغياب لثقافة رأس المال المخاطر، مما يدفع المبتكرين للبحث عن بيئات أكثر احتضاناً في الخارج. هجرة الكفاءات تمثل خسارة مزدوجة للدولة، حيث تفقد تكلفة التعليم التي استثمرتها في أبنائها، وتفقد العائد الاقتصادي لابتكاراتهم التي تذهب لدول أخرى.
تقدم تجربة كوريا الجنوبية نموذجاً ملهماً، حيث تحولت من دولة مدمرة بالحروب إلى عاشر اقتصاد عالمي بفضل قرار سياسي ركز على التعليم والتكنولوجيا. وبالمثل، استطاعت سنغافورة، رغم افتقارها للموارد الطبيعية أن تصبح مركزاً تقنياً عالمياً من خلال الاستثمار المكثف في عقول مواطنيها.
في العالم الإسلامي، تبرز تجربة ماليزيا التي نجحت في دمج القيم الإسلامية مع التكنولوجيا المتقدمة عبر ممرات تقنية متخصصة. كما أثبتت رواندا أن الإرادة السياسية يمكنها تجاوز أقسى الظروف، حيث تحولت بعد الإبادة الجماعية إلى واحدة من أكثر الدول الأفريقية ابتكاراً واعتماداً على التكنولوجيا.
على الصعيد الإقليمي، تشهد الساحة تحركات لتعزيز الاقتصاد الإسلامي، حيث انتقدت مصادر مسؤولة النظام المالي العالمي القائم على الديون التي بلغت 350 تريليون دولار. وفي تركيا، يتم التوجه نحو دمج البنوك التشاركية الحكومية لزيادة قدرتها على تمويل المشروعات الكبرى وتقليل التكاليف التشغيلية.
إن التحول نحو اقتصاد المعرفة في مصر يتطلب أكثر من مجرد خطط ورقية؛ إنه يتطلب بناء بيئة قانونية ومالية تحمي الملكية الفكرية وتسهل التمويل. يجب أن تتحول الجامعات من مراكز لمنح الشهادات إلى حاضنات للأفكار التي تجد طريقها مباشرة إلى المصانع والأسواق المحلية والعالمية.
الذكاء الاصطناعي وثورة البيانات يعيدان رسم خريطة القوى الاقتصادية في هذه اللحظة، والتأخر عن ركوب هذه الموجة لسنوات قليلة قد يعني البقاء في موقع المستهلك للأبد. مصر أمام خيار استراتيجي لاستعادة دورها كمنتج للمعرفة، وليس مجرد مستورد للتقنيات التي يبتكرها الآخرون.
ختاماً إن بناء اقتصاد الابتكار هو استعادة لإرث أصيل وليس استعارة لنموذج غريب، فالحضارة الإسلامية كانت دوماً حضارة إنتاج وعطاء. إن السؤال الذي يواجهنا اليوم هو كيفية تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس يضع مصر في مكانها الطبيعي ضمن الكبار اقتصادياً.





شارك برأيك
اقتصاد المعرفة والابتكار: هل تستعيد مصر ريادتها التاريخية في عصر الذكاء الاصطناعي؟