تواجه العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والصين اختباراً عسيراً مع تزايد المؤشرات على اقتراب حرب تجارية شاملة بين القوتين. ويدفع اتساع العجز التجاري لصالح بكين بروكسل نحو تبني إجراءات حمائية مشددة طالت قطاعات حيوية، بدءاً من السيارات الكهربائية وصولاً إلى منصات التجارة الإلكترونية، وسط تحذيرات من تداعيات هذا التصعيد على استقرار الأسواق العالمية.
وأكدت تقارير اقتصادية أن العجز التجاري للتكتل الأوروبي مع الصين وصل إلى مستويات وصفتها المفوضية الأوروبية بأنها غير قابلة للاستمرار. وسجل شهر أبريل وحده عجزاً بقيمة 31.9 مليار يورو، ما يعادل نحو 37 مليار دولار، وهو ما دفع المسؤولين الأوروبيين للمطالبة بضرورة إعادة صياغة القواعد المنظمة للتبادل التجاري لضمان العدالة والمساواة.
من جانبه، شدد مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش على أن العلاقة مع بكين بلغت مرحلة حرجة تستوجب إعادة الضبط الفوري. وأوضح أن الهدف الأوروبي لا يتمثل في السعي وراء المواجهة المباشرة، بل في تحقيق توازن يحمي الصناعات المحلية من المنافسة غير العادلة التي تفرضها الشركات المدعومة حكومياً.
في المقابل، أبدت بكين تفهمها للمخاوف الأوروبية لكنها نفت بشدة تعمدها تحقيق فوائض تجارية ضخمة على حساب شركائها. وأكد سفير الصين لدى الاتحاد الأوروبي، تساي رن أن بلاده اتخذت خطوات عملية لتقليص الفجوة، شملت تسهيل دخول المنتجات الزراعية الأوروبية وإلغاء بعض الحوافز الضريبية للمصدرين الصينيين في قطاع الطاقة الشمسية.
وترفض الصين الانتقادات الغربية التي تعزو نجاح شركاتها في الأسواق الدولية إلى الدعم الحكومي السخي والمباشر. وترى بكين أن تفوقها الصناعي نابع من الابتكار التكنولوجي المستمر وكفاءة نظم الإنتاج، بالإضافة إلى القاعدة الصناعية الضخمة التي تتيح لها خفض التكاليف بشكل تنافسي يتفوق على نظيراتها الأوروبية.
وشهد العام الحالي تدهوراً ملحوظاً في العلاقات الثنائية مع اتجاه الاتحاد الأوروبي لتغليظ تشريعاته لمواجهة التمدد الصيني. وتخشى العواصم الأوروبية من أن الهيمنة الصينية على قطاعات الكيميائيات والتكنولوجيا الصديقة للبيئة قد تؤدي إلى تدمير القاعدة الصناعية في القارة العجوز وفقدان ملايين الوظائف.
وتطالب بروكسل بفتح أكبر للسوق الصينية أمام الشركات الأوروبية، مشيرة إلى وجود انعدام في المعاملة بالمثل بين الطرفين. وحذرت مصادر من أن بكين قد تلجأ لاتخاذ إجراءات مضادة قاسية إذا استمر الاتحاد في تمرير قوانين تقيد الاستحواذ على الشركات الأوروبية أو تستبعد المنتجات الأجنبية من المشتريات العامة.
لقد بلغت علاقتنا التجارية مع الصين نقطة تتطلب إعادة ضبط، والمطلوب ليس مواجهة بل إعادة توازن.
وفي سياق متصل، قامت المفوضية الأوروبية بمراجعة قواعد الأمن السيبراني لاستبعاد الموردين الذين يمثلون مخاطر عالية، وفي مقدمتهم شركة هواوي. هذا التحرك، إلى جانب فرض رسوم جمركية إضافية على السيارات الكهربائية الصينية، زاد من حدة الاحتقان ودفع بكين للتلويح بردود فعل انتقامية في قطاعات حساسة.
ويرى خبراء اقتصاديون في شنغهاي أن خطر نشوب حرب تجارية بات فعلياً وملموساً أكثر من أي وقت مضى. ومع ذلك، يشير المحللون إلى أن الطرفين يمتلكان مصلحة مشتركة في تجنب الانزلاق نحو صراع مفتوح قد يؤدي إلى رفع التكاليف على المستهلك الأوروبي وإبطاء عملية التحول البيئي المنشودة.
وتمتلك الصين أدوات ضغط متنوعة يمكن استخدامها في حال قررت التصعيد، من بينها فتح تحقيقات لمكافحة الإغراق ضد المنتجات الأوروبية. وقد بدأت بكين بالفعل في استهداف قطاعات مثل لحوم الخنزير والألبان والكونياك، وهي منتجات ذات ثقل سياسي واقتصادي لعدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وثمة مخاوف جدية في بروكسل من احتمال قيام الصين بتقييد صادرات المعادن النادرة التي تعد عصب الصناعات التكنولوجية المتقدمة. ويُعتقد أن أي رد صيني سيكون مدروساً بعناية لإيصال رسالة سياسية واضحة دون التسبب في انهيار كامل للعلاقات مع ثاني أكبر شريك تجاري لها في العالم.
وتحتاج الصين إلى الحفاظ على وصولها للسوق الأوروبية، خاصة في ظل القيود المتزايدة التي تفرضها الولايات المتحدة على تجارتها. ويرى باحثون أن زيادة الاستثمارات الصينية المباشرة في أوروبا قد تكون مخرجاً لتخفيف التوترات وخلق فرص عمل تساهم في طمأنة صانعي القرار في القارة الأوروبية.
ويقترح مراقبون أن الانفتاح الحقيقي للسوق الصينية هو السبيل الوحيد لتفادي المواجهة التجارية الشاملة. ويؤكد خبراء أن الوعود الصينية بالانفتاح يجب أن تتحول إلى واقع ملموس يلمسه المستثمر الأوروبي، بعيداً عن الشعارات التي ترددت على مدار العقود الثلاثة الماضية دون تغييرات هيكلية كافية.
وتبقى القمة الأوروبية المرتقبة محطة فاصلة في تحديد مسار هذه العلاقة المعقدة بين العملاقين الاقتصاديين. فإما أن ينجح الطرفان في التوصل إلى صيغة تفاهم تعيد التوازن للتبادل التجاري، أو أن العالم سيشهد فصلاً جديداً من الحمائية التجارية التي قد تعيد تشكيل خارطة الاقتصاد العالمي.





شارك برأيك
نذر حرب تجارية بين بكين وبروكسل: هل وصلت العلاقات الاقتصادية إلى نقطة اللاعودة؟