اسرائيليات

الأحد 26 أبريل 2026 2:06 صباحًا - بتوقيت القدس

فرص دبلوماسية وعقبات معقدة: هل تنجح إسرائيل في إبرام اتفاق سلام مع لبنان؟

تشهد الأوساط السياسية والأكاديمية في إسرائيل تركيزاً متزايداً على إمكانية إبرام اتفاقية تسوية مع لبنان وسوريا، في محاولة لاستغلال التحولات الإقليمية الكبرى. ويسعى الاحتلال لتوظيف تنامي الانتقادات الداخلية الموجهة لحزب الله كفرصة سياسية لم تتوفر منذ عقود، رغم الإدراك بأن الوقت المتاح قد يكون ضيقاً قبل استعادة القوى المعارضة لأي اتفاق نفوذها.

ويرى البروفيسور إيلي فودة والباحث يوجيف إيلباز أن انعقاد الجولة الثانية من المحادثات في واشنطن، بالتزامن مع سقوط نظام الأسد في سوريا، يمثلان نتيجتين غير متوقعتين للحرب المستمرة. هذه التطورات تفتح باباً دبلوماسياً جديداً أمام إسرائيل، خاصة وأن الهيمنة السورية على لبنان التي استمرت لعقود كانت العائق الأكبر أمام أي تقارب سابق.

وأوضحت مصادر بحثية أن التاريخ السياسي للمنطقة أثبت استحالة التوصل لاتفاق في لبنان دون ترتيبات مسبقة مع الجانب السوري. ومع الانسحاب السوري السابق، تحول حزب الله بدعم من طهران ودمشق إلى الفاعل الأقوى في الساحة اللبنانية، إلا أن صعود نظام جديد في سوريا وضعف الحزب حالياً خلقا فجوة سياسية تحاول إسرائيل استثمارها.

وتبرز العقبة الأولى أمام هذا المسار في عدم تنفيذ القرارات الاستثنائية التي اتُخذت ضد نفوذ حزب الله والحضور الإيراني في لبنان. وتشمل هذه الإجراءات حظر أنشطة الحرس الثوري وإلغاء إعفاءات التأشيرة للإيرانيين، فضلاً عن طرد السفير الإيراني، وهي خطوات بقيت حتى اللحظة حبراً على ورق دون آليات تنفيذية حقيقية.

أما العقبة الثانية فتتجلى في طبيعة الخطاب اللبناني الداخلي، حيث يتصاعد الرفض لسلوك حزب الله بين مختلف الطوائف المسيحية والسنية وحتى داخل بعض الأوساط الشيعية. هذا الانقسام الحاد يعكس حجم التذمر من جر البلاد إلى مواجهات عسكرية أدت إلى دمار واسع، مما يجعل أي قرار رسمي تجاه إسرائيل محفوفاً بمخاطر الانفجار الداخلي.

وتأتي الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة كعقبة ثالثة تزيد من تعقيد المشهد اللبناني المنهك منذ جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت. هذه الأزمات المتلاحقة جعلت الدولة اللبنانية في حالة من الهشاشة القصوى، مما يضعف قدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية أو الدخول في التزامات دولية طويلة الأمد تتطلب استقراراً داخلياً.

وترتبط العقبة الرابعة بالهيكلية التي بناها حزب الله كدولة داخل الدولة، حيث أنشأ مؤسسات اقتصادية وتعليمية واجتماعية مستقلة تماماً عن مؤسسات الشرعية. هذه الشبكة الموازية، التي تشمل مدارس ومحطات وقود وسلاسل تجارية، جعلت من الحزب سلطة أمر واقع يصعب تفكيكها أو استبدالها بمؤسسات الدولة الرسمية في وقت قصير.

وتشير المعطيات إلى أن الفوارق المالية كانت تلعب دوراً حاسماً في ولاءات العناصر، حيث كان راتب العنصر في الحزب يصل إلى 1500 دولار، وهو ما يتجاوز راتب ضابط الجيش اللبناني بعشر مرات. لكن الحزب يواجه اليوم أزمة مالية خانقة جعلته عاجزاً عن الوفاء بهذه الالتزامات أو تعويض أنصاره النازحين، مما يضعف تماسكه التنظيمي.

ومن الطبيعي أن يعارض حزب الله بشدة أي تسوية سياسية، مستخدماً خطاباً يذكر اللبنانيين بآلام الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاماً. هذه التهديدات المبطنة تثير قلقاً واسعاً لدى مختلف المكونات اللبنانية، التي تتساءل عما إذا كان ثمن الاتفاق مع إسرائيل سيؤدي إلى انزلاق البلاد نحو صراع طائفي مسلح جديد.

وباتت فكرة التفاوض مع إسرائيل، التي كانت في السابق نقطة إجماع على الرفض، تثير اليوم مخاوف من تفكك الجيش اللبناني على أسس طائفية. فالجيش الحالي يبدو أضعف من أن يفرض قرارات الحكومة بنزع سلاح الحزب، وهناك خشية حقيقية من تكرار سيناريو انهيار المؤسسات العسكرية كما حدث في ثمانينيات القرن الماضي.

وتدرك إسرائيل أن نجاح أي فرصة دبلوماسية يعتمد على التعامل مع النسيج السياسي الهش في لبنان، وهو ما يتطلب البحث عن قنوات تواصل تتجاوز الحلفاء التقليديين. فبينما كان التركيز سابقاً على الموارنة، ترى الدوائر الإسرائيلية ضرورة الانفتاح على السنة والدروز وحتى الشخصيات الشيعية المعارضة لنهج الحزب.

وتلخص المصادر الإسرائيلية التحديات في ثلاث معضلات رئيسية: أولها تحديد الجهة القادرة فعلياً على نزع سلاح الحزب وتفكيك نظامه المدني. وثانيها كيفية تحصين أي اتفاق من محاولات التقويض الداخلية التي قد تقودها أطراف مرتبطة بالمحور الإيراني، كما حدث في تجارب تاريخية سابقة فشلت في الصمود.

أما المعضلة الثالثة فتتعلق بالضمانات الأمنية لمستوطني الشمال، في ظل مطالبة لبنان بانسحاب إسرائيلي كامل إلى الحدود الدولية المعترف بها. هذا المطلب يضع الحكومة الإسرائيلية أمام تحدي موازنة المطالب الأمنية مع الاستحقاقات السياسية التي يتطلبها أي اتفاق سلام دائم وشامل مع الجولة اللبنانية.

في الختام، تظهر هذه القراءات أن الوعود الدولية بإنجاز سلام قريب ليست سوى مسار محفوف بالمخاطر والمعيقات الذاتية والموضوعية. ومع وجود حكومة يمينية في إسرائيل تميل لفرض الشروط بالقوة، يبقى التساؤل قائماً حول مدى واقعية تحقيق خرق دبلوماسي حقيقي في ظل هذه التعقيدات المتشابكة.

دلالات

شارك برأيك

فرص دبلوماسية وعقبات معقدة: هل تنجح إسرائيل في إبرام اتفاق سلام مع لبنان؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.