أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن التحركات الإسرائيلية الرامية لزعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط لم تعد شأناً محلياً أو إقليمياً فحسب، بل تحولت إلى تهديد مباشر يمس منظومة الأمن العالمي برمتها. وأوضح فيدان خلال محاضرة ألقاها في جامعة أكسفورد العريقة أن الأزمات المتلاحقة وحالة عدم اليقين التي سادت في السنوات الأخيرة قد عمقت التوترات الدولية بشكل غير مسبوق، مما دفع النظام العالمي الحالي نحو حافة الانهيار.
وأشار الوزير التركي إلى أن المنطقة كانت الأكثر تضرراً من هذه التحولات الجيوسياسية الحادة، معتبراً أن المواجهات العسكرية الأخيرة، لاسيما الحرب ضد إيران، قد هزت الرؤى الاستراتيجية بعمق. وأضاف أن هذه الصراعات وجهت ضربة قاصمة لمفاهيم الرفاه والاستقرار الدولي، وكشفت في الوقت ذاته عن حدود القوة الأمريكية وتراجع هيبة الردع الغربي في مواجهة الأزمات المتفجرة بالمنطقة.
وشدد فيدان على ضرورة استخلاص الدروس التاريخية من الصراعات الراهنة، مبيناً أن أفعال إسرائيل التي تهدف إلى تعميق النزاعات لا تستهدف طرفاً بعينه بل تطال المنطقة بأسرها. وأكد أن امتدادات هذه السياسات تؤثر على العالم أجمع، مما يستوجب صياغة رد فعل مشترك وحازم من قبل المجتمع الدولي لوقف هذا التدهور المستمر في بنية السلم العالمي.
وفي قراءته للمشهد الدولي، أوضح فيدان أن التحولات الجيوسياسية الراهنة ليست مجرد ظروف عابرة يمكن للدول أو المؤسسات التكيف معها بسهولة. ولفت إلى أن زمن 'الطيار الآلي' الذي كانت تتحرك به الدول عندما كان النظام مستقراً قد ولى إلى غير رجعة، مشيراً إلى أن السؤال الحقيقي اليوم يكمن في هوية الأطراف التي ستساهم في تشكيل النظام العالمي القادم والشروط التي سيقوم عليها.
محاولة النظام الإسرائيلي زعزعة استقرار المنطقة تجاوزت الحدود المحلية، وأصبحت حالياً تهديداً مباشراً للأمن العالمي.
واستطرد الوزير التركي قائلاً إن الدول التي تمتلك تقاليد استراتيجية عميقة هي الأقدر على الصمود والأداء الفعال في هذا العصر المليء بالاضطرابات. وأكد حاجة العالم الماسة إلى أطراف دولية قادرة على تغليب لغة الحكمة والحفاظ على المسارات الدبلوماسية وخفض التصعيد، مشدداً على أن تركيا تبرز كواحدة من هذه القوى التي تسعى لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة رغم ضجيج الحروب.
وفي سياق متصل، تطرق فيدان إلى الفشل الجيوسياسي للمشروع الإسرائيلي، مشيراً إلى أن فكرة 'إسرائيل الكبرى' قد تآكلت جغرافياً ونفسياً بعد ثمانية عقود من التأسيس. وأوضح أن اتفاقيات السلام التي أُبرمت سابقاً مع دول عربية مثل مصر والأردن لم تنجح في اختراق الوجدان الشعبي، حيث ظلت الشعوب العربية متمسكة بموقفها الرافض للاحتلال، مما يعكس فجوة عميقة بين الأنظمة والشارع.
كما لفت الوزير إلى التحول الجذري في الرأي العام العالمي، حيث بدأت الرواية الإسرائيلية تفقد بريقها وتأثيرها حتى في كبرى الحواضر الغربية مثل نيويورك وإسبانيا. وأشار إلى تنامي تساؤلات دافع الضرائب الغربي حول جدوى الاستمرار في تمويل العمليات العسكرية الإسرائيلية من قوته اليومي، في ظل تراجع ثقة الأنظمة الحليفة في قدرة واشنطن على حماية مصالحها مقابل انحيازها المطلق لأمن الكيان.
واختتم فيدان كلمته بالتعبير عن أسفه تجاه التصريحات الأخيرة الصادرة عن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بشأن تركيا، معتبراً أنها لا تخدم جهود التعاون المشترك. ودعا إلى ضرورة تبني رؤية أوروبية أكثر توازناً تجاه الدور التركي المحوري في استقرار المنطقة، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها السياسات الإسرائيلية المتطرفة على الأمن الأوروبي والعالمي.





شارك برأيك
فيدان من أكسفورد: ممارسات إسرائيل تجاوزت الحدود الإقليمية وباتت تهديداً مباشراً للأمن العالمي