عربي ودولي

الجمعة 24 أبريل 2026 1:35 مساءً - بتوقيت القدس

صلاحيات الطوارئ وسلاح 'الرئاسة الإمبراطورية': كيف يتجاوز ترمب الرقابة التشريعية؟

تشهد العاصمة واشنطن تحولاً جذرياً في استخدام مفهوم 'الطوارئ'، حيث انتقل من كونه أداة قانونية مخصصة لمواجهة الأزمات المفاجئة إلى ممر سياسي واسع لإعادة رسم حدود السلطة. في عهد الرئيس دونالد ترمب، لم تعد هذه الصلاحيات تُستدعى للضرورة القصوى فقط، بل باتت وسيلة لتمرير قرارات استراتيجية في مجالات التسليح والتجارة بعيداً عن أعين الرقابة التشريعية التقليدية.

تبرز صفقات السلاح الأخيرة الموجهة إلى إسرائيل ودول خليجية كنموذج صارخ لما يصفه المحللون بـ 'الرئاسة الإمبراطورية'. هذا المفهوم الذي صاغه عالم السياسة آرثر شليزنغر عام 1973، يعود اليوم للواجهة ليصف رئيساً يوسع تفسير صلاحياته ويحول المساحات الرمادية في القانون إلى أدوات حكم يومية تضع الكونغرس أمام قرارات منجزة لا يملك حيالها سوى الاعتراض المتأخر.

في السادس من مارس الماضي، استند وزير الخارجية ماركو روبيو إلى بند الإعفاء الطارئ في قانون مراقبة صادرات الأسلحة لتجاوز مراجعة الكونغرس لصفقة سلاح لإسرائيل بقيمة 660 مليون دولار. وجاء هذا التحرك بذريعة وجود 'حالة طارئة' تستدعي البيع الفوري، مما أثار موجة من الانتقادات حول مدى قانونية القفز فوق الآليات الديمقراطية المتبعة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فبعد أسبوعين فقط، وافقت وزارة الخارجية على صفقات محتملة بقيمة 16.5 مليار دولار تشمل الإمارات والأردن والكويت. وتضمنت هذه الصفقات أنظمة دفاع جوي ورادارات متطورة وصواريخ جو-جو، مبررة ذلك بتلبية أهداف الأمن القومي الأمريكي ومساعدة الشركاء الإقليميين على مواجهة التهديدات الوشيكة.

يشترط قانون مراقبة صادرات الأسلحة عادةً فترة إخطار تتراوح بين 15 إلى 30 يوماً قبل إبرام أي اتفاقية عسكرية خارجية. ومع ذلك، يمنح القانون الرئيس حق التنازل عن هذه المدة في حالات استثنائية ضيقة، وهو ما تحول في الممارسة الحالية إلى قاعدة تهدف لاختصار دور السلطة التشريعية وتجنب النقاشات السياسية والأخلاقية المحرجة.

انتقد النائب غريغوري ميكس، العضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، هذا النهج مشيراً إلى أن معظم البنود المشمولة بإعلان الطوارئ لم تكن مخصصة للتصدير الفوري. ويرى خبراء أن هذه الإعفاءات تضعف الرقابة على الأسلحة التي قد تُستخدم في نزاعات مفتوحة أو تسهل ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في مناطق النزاع.

من الناحية الجيوسياسية، تسعى واشنطن للحفاظ على موقعها كمورد أساسي للسلاح في الشرق الأوسط أمام منافسين جدد مثل كوريا الجنوبية وأوكرانيا. وتستخدم الإدارة 'دبلوماسية الطوارئ' كأداة مزدوجة لتسريع القرار السياسي وضمان حصة السوق الأمريكي، حتى لو كان ذلك على حساب التوازن الدستوري بين السلطات.

هذا السلوك لا يعد جديداً كلياً، فقد سبق وأن استخدم مايك بومبيو عام 2019 ذات الذريعة لتمرير صفقات سلاح مرتبطة بالتصعيد مع إيران. كما لجأت إدارة بايدن لخطوات مشابهة لدعم أوكرانيا وإسرائيل، لكن إدارة ترمب الحالية تدفع بهذا الاتجاه نحو 'تطبيع' الاستثناء ليصبح ممارسة روتينية تتجاوز الأزمات الحقيقية.

يشكك إلياس يوسف، الخبير في مركز ستيمسون، في مبررات 'البيع الفوري'، موضحاً أن طول مدة تصنيع الأسلحة يجعل التخلي عن فترة مراجعة قصيرة أمراً مثيراً للريبة. ويشير ذلك إلى أن الهدف الحقيقي هو تجنب التدقيق البرلماني وليس الاستجابة لمخاطر عسكرية داهمة لا يمكنها انتظار أسبوعين من المراجعة.

تزداد حدة الجدل عندما يتعلق الأمر بالدعم العسكري لإسرائيل، حيث يرى مشرعون مثل السيناتور بيرني ساندرز أن تجاوز الكونغرس يمنح ضوءاً أخضر لعمليات قد ترقى لجرائم حرب. وقد قدم ساندرز قرارات لرفض هذه المبيعات، معتبراً أن تزويد الحرب بالقنابل عبر سلطات الطوارئ يمثل أزمة دستورية وأخلاقية من صنع الإدارة نفسها.

ما يثير استياء المعارضين هو أن جزءاً كبيراً من هذه الصفقات يُمول عبر برنامج المساعدات العسكرية الأمريكي، مما يعني تحميل دافع الضرائب تكلفة قرارات لم تخضع للرقابة. وتعتبر هذه الممارسات التفافاً على إرادة المشرعين الذين يطالبون بربط المساعدات العسكرية بمدى الالتزام بالقوانين الدولية وحماية المدنيين.

توسيع صلاحيات الطوارئ لم يقتصر على السلاح، بل امتد ليشمل الملف الاقتصادي في أبريل 2025 عبر فرض رسوم جمركية تحت ذريعة الأمن القومي. وبدلاً من اللجوء للكونغرس صاحب الاختصاص الأصيل في تنظيم التجارة، استخدم ترمب قوانين الطوارئ الاقتصادية لتحويل الملفات التجارية إلى أدوات ضغط سياسي منفردة.

يوضح 'مركز برينان للعدالة' أن هذه الصلاحيات صُممت للاستجابة السريعة للأزمات المؤقتة، وليس لحل المشكلات المزمنة أو تجاوز دور الكونغرس كصانع سياسات. إن تحويل الاستثناء إلى قاعدة يقوض روح الدستور الأمريكي الذي يقوم على منع تركز السلطة في يد جهة واحدة، وهو ما يهدد توازن القوى التقليدي.

يبقى السؤال الجوهري في واشنطن حول قدرة النظام الديمقراطي على استعادة توازنه أمام هذا التمدد التنفيذي. فبينما تتراكم القرارات الاستثنائية تحت عناوين الأمن القومي، يبدو أن 'الرئاسة الإمبراطورية' باتت واقعاً يفرض نفسه، مما يجعل الكونغرس مجرد جهة معترضة بعد فوات الأوان في مشهد سياسي يعيد صياغة مفهوم الحكم في أمريكا.

دلالات

شارك برأيك

صلاحيات الطوارئ وسلاح 'الرئاسة الإمبراطورية': كيف يتجاوز ترمب الرقابة التشريعية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.