تسارع المفوضية الأوروبية الزمن لاتخاذ تدابير استثنائية تهدف إلى كبح جماح أسعار الطاقة المتصاعدة وتأمين سلاسل الإمداد التي تضررت بفعل التوترات العسكرية الأخيرة. وأفادت مصادر بأن هذه الإجراءات تأتي استجابة لهشاشة الاعتماد الأوروبي على الواردات الخارجية، وهو ما أعاد للأذهان أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية قبل سنوات قليلة.
تتضمن الخطة الأوروبية الجديدة إنشاء هيئة رقابية شاملة تتولى الإشراف على عمليات استيراد وتصدير الوقود، بالإضافة إلى مراقبة مستويات المخزون الاستراتيجي في دول الاتحاد. وتهدف هذه الخطوة إلى رصد أي نقص مفاجئ في مواد حيوية مثل الديزل ووقود الطائرات، مع تعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء لتبادل المعلومات حول استخدام مخزونات الطوارئ.
أكدت البيانات الرسمية الصادرة عن المفوضية أن دول الاتحاد اضطرت لإنفاق ما يقارب 28 مليار دولار إضافية على واردات الطاقة منذ اندلاع المواجهات العسكرية، دون أن يقابل ذلك زيادة في الكميات الموردة. ويعكس هذا الرقم الضخم حجم الضغوط المالية التي ترهق الميزانيات الأوروبية وتدفع القارة نحو حافة الركود الاقتصادي.
لا تقتصر المخاوف على التكاليف المباشرة فحسب، بل تمتد إلى احتمالية استمرار اضطرابات الإمدادات القادمة من منطقة الخليج العربي لفترات طويلة. وتشير التقديرات إلى أن العمليات اللوجستية المعقدة، مثل تطهير الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز من الألغام، قد تستغرق وقتاً يتجاوز مدة العمليات العسكرية نفسها.
في المقابل، واجهت هذه الإجراءات انتقادات من منظمات بيئية وحقوقية اعتبرتها غير كافية لمواجهة حجم الأزمة الحقيقي. وأشارت منظمة 'النقل والبيئة' إلى أن الاتحاد الأوروبي فوّت فرصة فرض ضرائب استثنائية على الأرباح الفائضة لشركات النفط، والتي يُتوقع أن تلامس حاجز 37 مليار يورو خلال هذه الفترة.
يرى مسؤولون أوروبيون أن الاستجابة الحالية تظل 'مجزأة' وتفتقر إلى آليات تمويل قوية تدعم المواطنين بشكل مباشر أو تساهم في تقليل الاستهلاك بفعالية. وشدد هؤلاء على ضرورة إيجاد أدوات مالية أكثر صرامة لضمان توزيع الأعباء الاقتصادية، خاصة في ظل الأرباح القياسية التي تحققها شركات الطاقة نتيجة الأزمة.
حذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الحرب خلال الأشهر المقبلة قد يدفع القارة الأوروبية رسمياً إلى حالة من الركود، مع توسع اضطرابات الطاقة لتشمل قطاعات الصناعة والخدمات. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية حدوث عجز ملموس في وقود الطائرات، مما قد يشل حركة الملاحة الجوية في قارة تعتمد على الاستيراد لتغطية 70% من احتياجاتها.
الأوروبيون يدفعون للمرة الثانية خلال أقل من خمس سنوات ثمن الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.
بدأت التداعيات تظهر بوضوح في قطاع الطيران، حيث أعلنت شركة 'لوفتهانزا' عن إلغاء نحو 20 ألف رحلة جوية مبرمجة حتى شهر أكتوبر المقبل. وتهدف الشركة من هذه الخطوة القاسية إلى تقليص النفقات التشغيلية المرتفعة الناتجة عن قفزات أسعار الوقود التي باتت تهدد استمرارية العديد من الخطوط الجوية.
على الصعيد الصناعي، رفعت شركة 'باسف' الألمانية العملاقة أسعار منتجاتها بنسب تجاوزت 30% في بعض القطاعات، مما أدى إلى موجة غلاء شملت السلع الاستهلاكية ومواد التنظيف والبلاستيك. وتضع هذه الارتفاعات المتتالية الأسر الأوروبية تحت ضغوط معيشية غير مسبوقة، مما يقلص القدرة الشرائية ويضعف الطلب المحلي.
اضطرت المفوضية الأوروبية إلى تفعيل 'آلية الأزمات' لتقديم دعم مالي مباشر لقطاعات تضررت بشدة مثل الصيد البحري، حيث توقفت العديد من السفن عن العمل بسبب ارتفاع تكاليف الديزل. كما شملت الخطط مقترحات لخفض الضرائب على الكهرباء للأسر المتضررة، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتزايد من غلاء المعيشة.
في بريطانيا، سجلت السلطات ارتفاعاً مقلقاً في معدلات التضخم مدفوعاً بأسعار الوقود والغذاء، وهو ما انعكس على السلوك الاجتماعي بشكل مباشر. وأفادت تقارير أمنية بزيادة حادة في سرقات البنزين وصلت إلى 62% مقارنة بالعام الماضي، في مؤشر واضح على اليأس الاقتصادي الذي بدأ يتسلل إلى شرائح واسعة من المجتمع.
ظاهرة سرقة الوقود لم تعد تقتصر على المملكة المتحدة، بل امتدت لتشمل دولاً مثل فرنسا وألمانيا وبولندا، حيث تعرضت شاحنات ومواقع بناء لعمليات سطو منظمة. وتسببت هذه الحوادث في أضرار جسيمة بالبنية التحتية، مما دفع السلطات المحلية إلى تشديد الرقابة على محطات الوقود والمستودعات الاستراتيجية.
يرى مراقبون أن الأزمة الحالية قد تكون مجرد مقدمة لهزات اقتصادية أعنف، حيث أن التأثيرات الكاملة لارتفاع أسعار الطاقة لم تظهر بعد في الصناعات الثقيلة. ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة موجة جديدة من إغلاق المصانع أو نقل نشاطها إلى خارج القارة بحثاً عن تكاليف إنتاج أقل، مما يهدد سوق العمل الأوروبي.
ختاماً، يبقى الرهان الأوروبي معلقاً على نجاح إجراءات التنسيق المشترك وزيادة الإنتاج المحلي للطاقة لتقليل الارتهان للخارج. ومع ذلك، فإن التعقيدات الجيوسياسية الراهنة تجعل من الصعب التنبؤ بموعد استقرار الأسواق، مما يبقي شبح الركود مخيماً على سماء القارة العجوز لفترة قد تطول.





شارك برأيك
أوروبا تواجه شبح الركود: إجراءات طارئة لمواجهة أزمة الطاقة وتصاعد سرقات الوقود