تحليل

الخميس 23 أبريل 2026 7:54 صباحًا - بتوقيت القدس

الهيمنة العسكرية الأميركية تصطدم بمكاسب إيرانية غير مباشرة


واشنطن - سعيد عريقات-23/4/2026

تحليل إخباري

بينما تواصل الولايات المتحدة إظهار تفوقها العسكري في المواجهة مع إيران، عبر الانتشار البحري الكثيف وتشديد القيود على حركة الشحن المرتبطة بطهران، تتزايد مؤشرات على أن الكلفة الاقتصادية والسياسية لهذا النهج بدأت ترتد على واشنطن وحلفائها أكثر مما تضغط على إيران نفسها.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب عن نجاح عمليات الردع وتأمين الملاحة، أظهرت تطورات الأيام الأخيرة استمرار الاضطراب في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، بعد حوادث استهداف واحتجاز سفن تجارية، ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع مجدداً وسط مخاوف من اتساع دائرة التوتر. ويُعد المضيق ممراً حيوياً يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه عاملاً مباشراً في رفع الأسعار وتعطيل سلاسل الإمداد الدولية.

كما حذرت شركات شحن دولية من أن الإعلان عن بقاء الممر مفتوحاً لا يعني عملياً عودة الملاحة الآمنة، في ظل استمرار المخاوف من الألغام البحرية، واحتمالات الاحتكاك العسكري، وارتفاع أقساط التأمين على السفن العابرة. وتؤكد هذه المعطيات أن مجرد بقاء التهديد قائماً يكفي لإرباك الأسواق، حتى من دون إغلاق كامل للمضيق.

ورغم التفوق العسكري الأميركي الواضح، فإن إيران تبدو قادرة على توظيف الجغرافيا السياسية لصالحها. فطهران لا تحتاج إلى هزيمة الأسطول الأميركي، بل يكفيها إبقاء الممر البحري في حالة قلق دائم، بما يرفع كلفة النقل والشحن، ويؤخر الإمدادات، ويزرع التوتر في الأسواق العالمية. وبهذا المعنى، تتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط أكثر فاعلية من المواجهة العسكرية المباشرة.

في المقابل، يواجه ترمب انتقادات متزايدة بسبب تذبذب مواقفه بين التهديد بالحسم العسكري، ثم الحديث عن التفاوض، ثم العودة إلى لغة التصعيد. ويرى مراقبون أن هذا النهج يربك الحلفاء قبل الخصوم، ويجعل الأسواق أكثر حساسية تجاه أي تصريح صادر من البيت الأبيض، خصوصاً في لحظة ترتبط فيها أسعار الطاقة وثقة المستثمرين بأي إشارة سياسية.

وتفيد تقديرات اقتصادية بأن اضطراب الملاحة في هرمز أصبح عاملاً رئيسياً في تقلب أسعار النفط خلال الأسابيع الأخيرة، مع تزايد المخاوف من تعطل صادرات دول خليجية رئيسية. كما تشير تقارير ملاحية إلى استمرار بعض الناقلات الإيرانية في إيجاد مسارات التفاف مختلفة، ما يسلط الضوء على محدودية فعالية الحصار الكامل، ويعني أن الضغوط لا تصيب طهران وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

وهنا تتكشف معضلة أعمق بالنسبة لواشنطن: فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرة الأطراف على توزيع الكلفة على خصومها. فالولايات المتحدة تستطيع نشر المدمرات وحشد القوات، لكنها لا تستطيع بسهولة منع أثر ارتفاع الوقود على المستهلك الأميركي أو الأوروبي. وكلما ارتفعت الأسعار، زادت الضغوط السياسية الداخلية، وتراجعت مساحة المناورة أمام صناع القرار. ومن هذه الزاوية، نجحت إيران في تحويل ضعفها العسكري إلى قوة اقتصادية غير مباشرة.

وتزداد المشكلة تعقيداً بالنسبة لترمب، الذي يسعى إلى الظهور بمظهر الرئيس الحازم القادر على إخضاع إيران، من دون الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة. لذلك تأتي مواقفه متأرجحة بين التصعيد والتهدئة، وهو أسلوب قد يحقق مكاسب سياسية داخلية، لكنه يفتقر إلى الفاعلية في إدارة الأزمات الدولية. فالأسواق تبحث عن الاستقرار، والحلفاء يريدون وضوحاً، بينما يقرأ الخصوم التردد باعتباره فرصة للمناورة وكسب الوقت.

أما على مستوى الرواية السياسية، فتبدو إيران أكثر قدرة على استثمار صورة "الدولة المحاصرة" في مخاطبة جمهور واسع خارج الغرب. فهي تقدم نفسها ضحية للعقوبات والضغوط، فيما تُصوَّر واشنطن كقوة تستخدم نفوذها العسكري والمالي لفرض إرادتها. وقد لا تنجح هذه الرواية في كل مكان، لكنها تجد صدى في دول الجنوب العالمي المتضررة من ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. ومع كل موجة غلاء جديدة، يصبح تسويق الموقف الأميركي باعتباره دفاعاً عن الاستقرار أكثر صعوبة.

ويرى خبراء أن جوهر المشكلة لا يكمن في القوة العسكرية الأميركية، بل في غياب هدف سياسي واضح: هل تسعى الإدارة إلى تغيير سلوك إيران؟ أم إلى اتفاق جديد؟ أم إلى إنهاك النظام اقتصادياً؟ غياب الإجابة الدقيقة يجعل أي نجاح عسكري محدود الأثر، ويحوّل العمليات الميدانية إلى إدارة أزمة مفتوحة لا نهاية واضحة لها.

وتشير تجارب سابقة، من العراق إلى أفغانستان، إلى أن الانتصار التكتيكي لا يضمن النجاح الاستراتيجي. فالقوة تستطيع تدمير الأهداف، لكنها لا تكفي وحدها لبناء نظام إقليمي مستقر، أو خفض أسعار الطاقة، أو الحفاظ على تماسك التحالفات الدولية.

وفي المحصلة، قد تكون الولايات المتحدة متفوقة في الحرب “الحركية”، لكنها تواجه خصماً يحسن استخدام الوقت والسوق والرواية السياسية. وإذا استمر اضطراب النفط، وتزايد تململ الحلفاء، وتصاعدت الشكوك في نهج ترمب المتقلب، فإن واشنطن قد تكتشف أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة كسب المعركة الأكبر.

دلالات

شارك برأيك

الهيمنة العسكرية الأميركية تصطدم بمكاسب إيرانية غير مباشرة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.