تتصاعد حدة الانتقادات الموجهة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في أعقاب الإعلان عن وقف مؤقت لإطلاق النار في جنوب لبنان. وتركزت هذه الاتهامات حول تفويض أمن مستوطني الشمال بالكامل للولايات المتحدة، مما حول القرار الإسرائيلي إلى حالة من التبعية المطلقة لواشنطن التي باتت تتحكم في مسار العمليات العسكرية.
وأفادت مصادر إعلامية عبرية بأن الثمن الذي تدفعه إسرائيل مقابل هذا الدعم هو منح واشنطن حق النقض على تحركات جيش الاحتلال في لبنان. هذا الارتهان السياسي أدى، بحسب مراقبين، إلى تقييد قدرة القوات على توجيه ضربات حاسمة، وجعل التحركات الميدانية رهينة لاتصال هاتفي من البيت الأبيض.
ومع سريان الهدنة، رصدت شاشات التلفزيون مشاهد لعودة عناصر حزب الله إلى المناطق الحدودية في جنوب لبنان، حيث لوحوا بالأعلام الصفراء فوق الجسور التي استهدفها الطيران الإسرائيلي سابقاً. هذه المشاهد بثت حالة من الصمت المطبق والخيبة داخل الأوساط الإسرائيلية التي كانت تنتظر نتائج مغايرة للعملية العسكرية.
ووصف محللون في الصحافة العبرية الهدنة بأنها 'متسرعة'، مؤكدين أن الصورة التي ظهرت مع بزوغ فجر الجمعة كانت بمثابة إعلان غير رسمي عن فشل أهداف الحرب. فبينما كان عناصر حزب الله يطلقون النار ابتهاجاً، كان المستوطنون في الجليل يغادرون الملاجئ العامة بمشاعر مختلطة من الخوف وعدم اليقين.
وتشير التقارير إلى أن آلاف السكان في مستوطنات الشمال قضوا شهرين كاملين تحت الأرض في ظروف قاسية، ليعودوا إلى منازلهم دون ضمانات حقيقية بحمايتهم. وقد أخفقت الدولة، بحسب اعترافات إعلامية، في الوفاء بوعودها بتوفير الأمن المستدام لهؤلاء المستوطنين الذين باتوا يشعرون بالتخلي عنهم.
وفي سياق متصل، انتهت ما توصف بـ 'الحرب الرابعة في لبنان' دون تحقيق أي حسم عسكري واضح على الأرض، وهو ما يضع القيادة السياسية والعسكرية في قفص الاتهام. ويرى خبراء أن إلقاء اللوم المتبادل بين المستويين السياسي والعسكري لن يعفي أحداً من مسؤولية الإخفاق في كسر القوة العسكرية لحزب الله.
ونقلت مصادر عن جنود في جيش الاحتلال عادوا من الجبهة الشمالية شهادات مقلقة حول القدرات القتالية لمقاتلي حزب الله. وأكد الجنود أن الحزب استغل فترات الهدوء السابقة لإعادة تأهيل نفسه عسكرياً بشكل فاق التوقعات، مما جعل المواجهات الأخيرة أشد ضراوة من الحروب السابقة.
إسرائيل فقدت استقلالها فعلياً منذ السابع من أكتوبر، حيث عهدت قيادتها السياسية بأمن مستوطني الشمال إلى الولايات المتحدة.
وأوضحت الشهادات الميدانية أن مقاتلي حزب الله أظهروا شراسة قتالية وتنظيماً عالياً في الميدان، وهو ما فاجأ القوات المتوغلة التي واجهت مقاومة عنيفة. ويبدو أن الحزب نجح في تجاوز الضربات الجوية وبناء منظومة دفاعية وهجومية قادرة على التعافي السريع بعيداً عن البيروقراطية.
وتؤكد التحليلات أن إسرائيل فقدت استقلالها الاستراتيجي منذ أحداث السابع من أكتوبر، حيث باتت القرارات الكبرى تُطبخ في أروقة واشنطن. هذا التحول جعل ضباط الجيش الأمريكي، بالتنسيق مع نظرائهم الإسرائيليين، هم من يقودون العمليات من وراء الكواليس في غزة ولبنان على حد سواء.
وعلى الرغم من محاولات نتنياهو والإدارة الأمريكية تصوير النتائج كإنجازات ضد النفوذ الإقليمي، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى عكس ذلك. فالتصريحات حول 'طرد حزب الله' بعيداً عن الحدود تصطدم بحقيقة عودة عناصره السريعة وتواجدهم العلني فور توقف الغارات الجوية.
ويبدو أن هناك محاولات للتغطية على غياب القرار الحاسم من خلال الضجيج الإعلامي والحديث عن انتصارات تكتيكية لا تغير من الواقع الاستراتيجي شيئاً. وفي خضم هذا الصراع السياسي، يبرز ملف سكان الشمال كأحد أكبر الإخفاقات، حيث تُركوا دون خطط واضحة لإعادة الإعمار أو التعويض عن خسائرهم.
ويعاني نصف سكان المناطق الشمالية من انعدام الحماية الكافية، حيث انهارت خططهم المستقبلية نتيجة استمرار التهديدات الأمنية رغم الهدنة. هذا الوضع ولد شعوراً بالمرارة لدى المستوطنين الذين يرون أن حكومتهم ضحت بأمنهم مقابل حسابات سياسية دولية لا تخدم مصالحهم المباشرة.
إن التبعية الكاملة لواشنطن منعت الجيش من توجيه 'ضربات حقيقية' كانت كفيلة بتغيير موازين القوى، بحسب وجهة النظر اليمينية في إسرائيل. ويظل التساؤل قائماً حول قدرة إسرائيل على استعادة زمام المبادرة في ظل وجود 'فيتو' أمريكي يراعي المصالح الإقليمية الأوسع لواشنطن.
ختاماً، تظهر هذه التطورات أن الجولة الحالية من الصراع لم تنهِ التهديد، بل ربما أجلته مع منح حزب الله فرصة جديدة لترميم قدراته. وتبقى الجبهة الشمالية مفتوحة على كافة الاحتمالات في ظل غياب حل جذري يضمن عودة المستوطنين إلى منازلهم بأمان دائم.





شارك برأيك
خيبة أمل في أوساط الاحتلال: حزب الله لم يُهزم والتبعية لواشنطن قيدت الجيش