أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الأخيرة موجة من التكهنات حول مستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث أشار ترامب إلى عدم يقينه من خوض نتنياهو للانتخابات المقبلة. هذه الكلمات لم تكن مجرد عابرة، بل خلطت الأوراق السياسية في تل أبيب وفتحت الباب أمام تساؤلات جدية حول ما يدور في الغرف المغلقة.
ورغم مسارعة حزب الليكود إلى نفي هذه الأنباء جملة وتفصيلاً، إلا أن مصادر إعلامية تشكك في مصداقية هذا النفي، معتبرة أن تصريحات ترامب غالباً ما تستند إلى ما يسمعه من دوائره المقربة أو تقارير استخباراتية. فالرئيس الأمريكي السابق معروف بصراحته المفرطة التي قد تكشف أسراراً لا يرغب الجانب الإسرائيلي في إعلانها توقيتاً وحيثية.
وتشير التقديرات إلى أن وكالات الاستخبارات الأمريكية، مثل وكالة الأمن القومي والـ CIA، تتابع عن كثب الحالة الصحية والسياسية لقادة العالم، ولا سيما نتنياهو الذي يمثل حجر زاوية في المصالح الأمريكية بالمنطقة. ومن المحتمل أن تكون هذه الجهات قد رصدت إشارات تفيد بنية نتنياهو التوجه نحو إنهاء مسيرته السياسية الحالية.
يعيش نتنياهو اليوم مأزقاً قانونياً معقداً في إطار ما يعرف بـ 'ملفات الألوف'، حيث تشير المعطيات إلى احتمال صدور إدانات قضائية ضده قد تنتهي بعقوبة السجن. هذا الوضع يدفعه للتفكير في خيارات بديلة تضمن له الخروج الآمن من المشهد السياسي دون التعرض للملاحقة الجنائية القاسية.
إن خيار صفقة الادعاء يبرز كحل وحيد لنتنياهو لتجنب السجن، وهو ما يتطلب منه اعتزال الحياة السياسية بشكل كامل في المرحلة الأولى. وإذا ما أصر على خوض الانتخابات وخسرها، فإن موقفه التفاوضي مع النيابة العامة سيضعف كثيراً، وقد يواجه شروطاً أكثر صرامة من قبل خصومه القانونيين.
المقامرة التي يخوضها نتنياهو هذه المرة تختلف عن سابقاتها، فهي تتعلق بمستقبله الشخصي وحريته وليس فقط بمستقبل الدولة أو الحكومة. ويرى مراقبون أن استمرار تراجع نتنياهو في استطلاعات الرأي قد يعجل من اتخاذه قراراً دراماتيكياً بالانسحاب قبل فوات الأوان.
في حال قرر نتنياهو المضي في طريق الاعتزال، فإنه سيسعى بكل قوته للحصول على عفو أو صفقة مفصلة تمنع عنه 'وصمة العار' القانونية. الهدف النهائي من هذه المناورة هو الحفاظ على أهليته السياسية للمستقبل، وتحديداً لمنصب رئيس الدولة الذي يطمح إليه بشدة.
احتمال اعتزال نتنياهو قائم لأول مرة منذ وقت طويل، وأفكار الرحيل عن الحلبة السياسية بدأت تؤرقه فعلياً في ظل تراجع شعبيته.
يضع نتنياهو عينه على منصب رئيس إسرائيل كبديل شرفي وقانوني يحميه من الملاحقات، وذلك بعد انتهاء ولاية الرئيس الحالي إسحاق هرتسوغ. هذا المنصب سيمثل له 'رد اعتبار' تاريخي بعد سنوات من الصراعات القضائية والسياسية التي عصفت بمستقبله.
وتشير التحليلات إلى أن نتنياهو قد يقبل بـ 'وصمة عار' مؤقتة تمتد لعامين فقط، مما يتيح له العودة للترشح لمنصب الرئيس فور شغوره. هذه الخطة تتطلب تنسيقاً دقيقاً مع القوى السياسية داخل الكنيست لضمان الحصول على الأصوات اللازمة في الاقتراع السري.
على الرغم من كل هذه الضغوط، يبقى نتنياهو في نظر الكثيرين 'رجل العودة' الذي لا يستسلم بسهولة، ويمتلك قدرة فائقة على المناورة حتى في أصعب الظروف. فهو يؤمن دائماً بإمكانية تحقيق المستحيل والنجاة من الأزمات التي قد تنهي حياة أي سياسي آخر.
إن الكارثة التي وقعت في عهده، وما تبعها من انقسامات حادة داخل المجتمع الإسرائيلي، جعلت من فكرة بقائه في السلطة أمراً محل جدل واسع. ومع ذلك، فإن غريزة البقاء السياسي لديه تدفعه لمواصلة القتال حتى اللحظة الأخيرة، ما لم يجد مخرجاً يضمن له كرامته وحريته.
مصادر مقربة من دوائر صنع القرار تشير إلى أن النقاش حول 'اليوم التالي' لنتنياهو لم يعد مجرد فرضية، بل أصبح واقعاً يفرض نفسه على الطاولة. فالضغوط الداخلية من المعارضة والضغوط الخارجية من الحلفاء بدأت تضيق الخناق على خياراته المتاحة.
إذا ما تمت صفقة الاعتزال، فإن الدولة العبرية قد تدخل مرحلة جديدة من 'التعافي' السياسي، بعيداً عن الاستقطاب الحاد الذي سببه وجود نتنياهو في السلطة لسنوات طويلة. لكن هذا التعافي يعتمد بشكل كبير على مدى قبول الشارع الإسرائيلي والمنظومة القضائية لمبدأ العفو مقابل الاعتزال.
في النهاية، يبقى السؤال معلقاً حول ما إذا كان نتنياهو سيفضل خوض معركة انتخابية أخيرة قد تكون انتحارية، أم سيسلك طريق الدبلوماسية القانونية. الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت نبوءة ترامب ستتحقق، أم أن نتنياهو سيفاجئ الجميع مرة أخرى بالبقاء في الحلبة.





شارك برأيك
تقارير تتحدث عن تفكير نتنياهو في الاعتزال: هل يخطط لمنصب رئيس الدولة؟