أقلام وأراء

الإثنين 20 أبريل 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس

في ذكرى أبو جهاد.. حركة "فتح" والمرونة الاستراتيجية

في إحياء ذكرى الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)، لا يقتصر الواجب على استحضار رمزية الرجل، بل يمتد إلى صون دقة الرواية التاريخية المرتبطة به، بوصفها جزءًا من الذاكرة الوطنية الجامعة. فالشخصيات المؤسسة لا تُقرأ بمعزل عن سياقاتها، ولا تُعاد صياغة أدوارها وفق اعتبارات لاحقة، بل تُقدَّم كما تشكّلت في لحظتها التاريخية، بكل ما حملته من رؤى وخيارات وأدوات.
لقد ارتبط أبو جهاد، "أمير الشهداء"، بمرحلة تأسيسية مفصلية في تاريخ حركة فتح، حيث كان أحد أبرز مهندسي نهج الكفاح المسلح، وممن جسّدوا عمليًا مقولة "أول الرصاص وأول الحجارة" ضمن استراتيجية التحرير في تلك المرحلة. وهذا البعد ليس تفصيلًا عابرًا في سيرته، بل يشكّل ركيزة مركزية في فهم مشروعه ودوره، ويستدعي نقله إلى الأجيال بوصفه تعبيرًا عن مرحلة تاريخية لها شروطها وأدواتها وخياراتها. كما أن نهجه كان واضحًا ومتمايزًا في تعريف أدوات الفعل الوطني، حيث لم يكن الانخراط الخارجي في تلك المرحلة يُقرأ ضمن مفهوم "الدبلوماسية" بمعناه المؤسسي اللاحق، بل ضمن إطار أوسع هو العلاقات الدولية في سياقها التحرري.
وفي المقابل، فإن مسار الحركة الوطنية الفلسطينية لم يكن جامدًا، بل شهد تحولات استراتيجية متدرجة، عكست تفاعلًا مع متغيرات إقليمية ودولية معقدة. فقد انتقلت الاستراتيجيات من مرحلة الكفاح المسلح، إلى مرحلة انتقالية وازنت بين الأداتين المسلحة والدبلوماسية، وصولًا إلى تبنّي استراتيجية التدويل والعمل الدبلوماسي بوصفه المسار الغالب في المرحلة الراهنة. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الأدوار التاريخية ضمن تسلسل تكاملي لا تناقضي:
أبو جهاد بوصفه رمز مرحلة "الرصاص والحجارة"،
وأبو عمار بوصفه رمز مرحلة "غصن الزيتون بيد والبندقية بيد"،
وأبو مازن بوصفه رمز مرحلة "الدولة والدبلوماسية".
غير أن فهم العلاقات الدولية للحركة عبر هذه المراحل يقتضي دقة مفاهيمية. ففي المرحلة التأسيسية، كان مفهوم العلاقات الدولية قائمًا بدرجة كبيرة على شبكة علاقات مع حركات التحرر الوطني وقوى التضامن الدولي، وهو ما شكّل امتدادًا طبيعيًا لطبيعة المرحلة وأدواتها. أما في المراحل اللاحقة، فقد تحوّل هذا المفهوم ليأخذ طابعًا أكثر مؤسسية، حيث باتت العلاقات الدولية تنخرط بشكل أساسي مع الدول وأنظمتها السياسية، ومع البرلمانات والمؤسسات الرسمية والمنظمات الدولية، ولم تعد تختزل في إطار الحركات التحررية فقط. هذا التحول يعكس تطورًا في بنية الفعل السياسي، وليس قطيعة مع مراحله السابقة.
وفي هذا الإطار، من الضروري التأكيد على حقيقة منهجية أساسية: أن كل قائد في تاريخ الحركة تشكّل دوره ضمن شروط زمنه، واستجاب لتحديات مرحلته بأدواتها الممكنة. وعليه، فإن تقييم هذه الأدوار يقوم على مبدأ فهمها ضمن معادلة البناء الوطني والتراكم التنظيمي. فكل مرحلة أسست لما بعدها، وكل قيادة أسهمت في تثبيت لبنة في مشروع وطني مستمر، حيث يشكّل البناء والتنظيم ركيزة مركزية في قراءة التجربة وتقييمها.
وهنا تتجلى إحدى أهم سمات حركة فتح، وهي المرونة الاستراتيجية، التي مكّنت الحركة من الاستجابة للبيئات الداخلية والخارجية المتغيرة، دون التفريط بالثوابت الوطنية. فالحركة، عبر مراحلها المختلفة، لم تبدّل أهدافها بقدر ما أعادت توظيف أدواتها، بما يتناسب مع معطيات كل مرحلة. وهذه القدرة على التكيّف المرحلي، بالتوازي مع الثبات على الحقوق الوطنية، تشكّل جوهر فهم مسيرتها التاريخية، ومصدر استمراريتها.
وتبقى الحرية والتحرر الرؤية الجامعة التي التقت عندها قيادات الحركة منذ التأسيس، على اختلاف أدواتها وتباين مراحلها؛ فهي الثابت والغاية التي وجّهت تعدد الوسائل، ومنحت المسار الوطني وحدته رغم تحوّلاته.
ومع اقتراب انعقاد المؤتمر القادم لحركة فتح، تبرز أهمية هذه القراءة المنهجية للتاريخ أكثر من أي وقت مضى. فالمؤتمرات الحركية ليست مجرد استحقاقات تنظيمية، بل محطات مراجعة وتقييم وإعادة صياغة للرؤية الوطنية. ومن هنا، فإن الفهم الدقيق لكل مرحلة يشكّل شرطًا أساسيًا لاستخلاص الدروس من الماضي، وتقييم الواقع الراهن بموضوعية، والتخطيط لمستقبل يليق بالقضية الفلسطينية.
إن أي تخطيط استراتيجي جاد يستند إلى وعي تاريخي تراكمي، يدرك كيف ولماذا تحوّلت الأدوات، وكيف يمكن توظيف هذا الفهم في بناء مقاربات أكثر فاعلية في المرحلة القادمة. فالتاريخ هنا ليس مجرد ذاكرة، بل أداة تحليل وإرشاد. وعليه، فإن أي مقاربة جادة لتاريخ الحركة تقتضي التمييز المنهجي بين المراحل، فالأمانة في التوثيق لا تعني المفاضلة بين المراحل، بل تعني تثبيت كل مرحلة في سياقها، وكل تجربة في شروطها، بما يحفظ الاتساق المعرفي ويصون المصداقية الوطنية.
إن الحفاظ على نقاء الرواية التاريخية ليس ترفًا أكاديميًا، بل هو شرط تأسيسي لبناء وعي وطني راسخ، قادر على استيعاب تعقيدات التجربة الفلسطينية وتحولاتها. فالوفاء للتاريخ لا يكون بإعادة إنتاجه وفق الحاضر، بل باحترامه كما كان، وتفكيكه بأدوات علمية، وتقديمه للأجيال بوصفه مسارًا تراكميًا متعدد الأبعاد، يؤسس للفهم العميق، ويحصّن الذاكرة الوطنية، ويؤسس لوحدة الرؤية الاستراتيجية في مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل بدولة فلسطينية وحق تقرير المصير واستقلال القرار.

دلالات

شارك برأيك

في ذكرى أبو جهاد.. حركة "فتح" والمرونة الاستراتيجية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.