في محضر الجندي، لن يكتب أحد أن الرصاصة أصابت الفتى فادي حمد الله نعسان، ابن السابعة عشرة، لاعب فئة الناشئين في المنتخب الوطني الفلسطيني. سيكتبون فقط أنها أصابت "شاباً فلسطينياً". هكذا تتحول الأسماء في محاضر الجنود إلى أرقام، والأعمار إلى تفاصيل لا تستحق الذكر، والأحلام إلى هامش لا يراه أحد. وكأنّ أول ما تفعله الحرب ليس إطلاق النار، بل مصادرة اسم الإنسان قبل مصادرة حياته.
لن يكتبوا أنّ فادي كان يحفظ المسافة بينه وبين الشِباك أكثر مما يحفظ المسافة بينه وبين الخوف. وأنّ قدمه اليسرى لم تكن مجرد عضو في جسده، بل ذاكرة كاملة من الركض، والتدريب، والخسارات الصغيرة، والانتصارات التي لا يعرف قيمتها إلا من بدأ حلمه في ملعب ترابي داخل أكاديمية المغير لكرة القدم، حتى وجد نفسه يرتدي قميص فئة الناشئين في المنتخب الوطني الفلسطيني.
الأحلام في حقيقتها، ليست ما نراه ونحن نائمون، بل ما يجعلنا نستيقظ كل صباح. ولذلك، حين أصابت الرصاصة فخذه الأيسر، لم تكن تستهدف عضلة أو عظما، بل كانت تبحث عن الطريق الأقصر إلى الحلم. فالاحتلال لا يخشى الإنسان لأنه يعيش، بل لأنه قادر على أن يصبح شيئا أكبر مما هو عليه. وما يقتله في كثير من الأحيان ليس الإنسان، وإنما الإمكان الكامن فيه.
وفي المستشفى، وقف الأطباء أمام مفارقة لا تشبه إلا فلسطين. كانوا يعلمون أنّ بتر ساقه قد ينقذ حياته، فبتروا الساق التي كانت تحمله نحو المرمى، على أمل أن يبقى صاحبها. كأنّ الحياة طلبت منه أن يدفع حلمه ثمنا ليستمر في العيش. لكن بعض الأثمان لا تكفي.
استشهد فادي، وبقيت الساق المبتورة شاهدة على سؤال لا يجيب عنه الطب، ولا تكتبه التقارير: كيف يصبح إنقاذ الحياة مشروطاً بالتخلي عن الجزء الذي كان يمنحها معناها؟ وكيف يمكن للعالم أن يتعامل مع بتر قدم لاعب في السابعة عشرة بوصفه إجراء طبيا، بينما يغفل أنّ الجريمة الحقيقية وقعت قبل أن يصل إلى غرفة العمليات؟
في ذلك اليوم، لم يخرج إلى الملعب، بل خرج إلى بيت الحاج أبو عطا.
كان المستوطنون بالشراكة مع جنود الاحتلال، يحاولون اقتلاع عائلة من منزلها. أما فادي، فلم يكن يحمل سوى عمره، واندفاع فتى لم يتعلم كيف يشاهد الظلم من بعيد. هبّ مع أبناء المغير يدافع عن البيت، لأنّ الفلسطيني يتعلم منذ طفولته أنّ البيوت لا تسقط عندما تهدم جدرانها، بل عندما يتخلى الناس عنها.
ربما لهذا السبب يخاف الاحتلال من الجيران أكثر مما يخاف من الحجارة.
فالأوطان، في النهاية، لا تبقى لأنها تملك جيوشا أقوى، وإنما لأنها تنجب أناسا يعتبرون الدفاع عن بيت غيرهم دفاعا عن بيوتهم جميعا.
ظلّ أخي فادي يدعو له منذ لحظة إصابته.
كان يبكي كلما سمع خبرا عنه، ويتمسك بالأمل كما يتمسك الغريق بخشبة صغيرة في بحر هائج. لم يكن يتخيل أن صديقه الذي كان يركض بجانبه في ملاعب القرية سيصبح اسمه يسبق كلمة "الشهيد". ظلّ ينتظر خبرا يطمئن قلبه، حتى جاء الخبر الذي لم يكن مستعدا لسماعه.
وحين زُف فادي شهيدا، انهار. بعض الوداع لا يشبه الموت، بل يشبه اقتلاع جزء من الذاكرة. فالصداقة الحقيقية لا تنتهي حين يغيب أحد الطرفين، وإنما تبدأ بعدها رحلة طويلة من الحنين لا يعرف نهايتها إلا من عاشها.
وفي غرفة فادي، لم يحدث شيء. الحقيبة الرياضية ما زالت تنتظر التدريب القادم. الحذاء ما زال متجهاً نحو الباب، كأنه سيخرج بعد قليل. وقميص المنتخب ما زال معلقا، كأنه لم يعلم بعد أنّ المباراة ألغيت.
أما قطته، فقد اختارت سريره مكانا للنوم، تنتظر صاحبها بصبر لا تعرف فيه معنى الغياب. وحدها الحيوانات لا تفهم أن الإنسان قد يغادر مرة واحدة، فلا يعود أبدا. ووحدها الأشياء تبقى وفية لأصحابها، حتى بعد أن يغادروا العالم.
سيكتب الجندي أنه أطلق النار. ولن يكتب أنه أطلقها على قدم كانت تعرف طريقها إلى المرمى.
ولن يكتب أنّ تلك القدم بُترت في محاولة يائسة لإنقاذ صاحبها. ولن يكتب أنّ الفتى فادي حمد الله نعسان، لاعب فئة الناشئين في المنتخب الوطني الفلسطيني، استشهد لأنه رفض أن يقف متفرجا بينما كانت عائلة الحاج أبو عطا تُقتلع من بيتها على أيدي المستوطنين وجنود الاحتلال. ولن يكتب أنّ الرصاصة لم تكن أسرع من جسد فادي فقط، بل كانت أسرع من المستقبل كله. لأنّ محاضر الجنود توثق ما حدث.
أما القرى... فلا تحفظ عدد الرصاصات، بل أسماء من عبروا فيها. تحفظ ضحكاتهم، وأحلامهم، وآثار أقدامهم على طرقاتها. وتعرف أنّ الإنسان لا يرحل حين يتوقف قلبه، بل حين يتوقف من بقي بعده عن رواية حكايته.
ولهذا ستبقى المغير تروي حكاية الفتى فادي، لا بوصفه رقما في سجل الشهداء، بل بوصفه حلما كان يرتدي قميص المنتخب الوطني، ويؤمن أنّ القدم التي تصنع هدفا تستطيع أيضا أن تدافع عن بيت. وحين عجزت الرصاصة عن هزيمة المعنى، اكتفت بإيقاف الجسد.
وهنا تبدأ سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود. فالمحاضر تحفظ الوقائع، أما الذاكرة فتحفظ الحقيقة. والوقائع تموت بانتهاء التحقيق، أما الحقيقة فتبقى حية، تنتقل من جيل إلى جيل، شاهدة على أنّ بعض الفتيان لا يكبرون في العمر، بل يكبرون في معنى الوطن.
أقلام وأراء
الأحد 26 يوليو 2026 10:02 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود (9) القدم التي كانت تعرف طريقها إلى المرمى