اسرائيليات

الخميس 16 أبريل 2026 5:42 صباحًا - بتوقيت القدس

دروس من المجر: هل تنجح المعارضة الإسرائيلية في استنساخ تجربة الإطاحة باليمين؟

لا تزال أصداء النتائج الانتخابية في المجر تتردد بقوة داخل أروقة السياسة الإسرائيلية، خاصة بعد الإطاحة بفيكتور أوربان، الحليف الأبرز لبنيامين نتنياهو في القارة الأوروبية. وتتجه الأنظار حالياً نحو المعارضة الإسرائيلية ومدى قدرتها على الاستفادة من هذا النموذج لكسر جمود ائتلاف اليمين الحاكم الذي صمد أمام محاولات التغيير لسنوات طويلة.

ترى نوعا لافي، الأكاديمية المتخصصة في الحكم والمجتمع أن التجربة المجرية نجحت في اختراق جدار التشاؤم الذي يسيطر على الشارع الإسرائيلي. فقد أثبتت الأحداث أن الأنظمة التي تبدو عصية على التغيير يمكن أن تتهاوى أمام حراك شعبي يقوده شباب سئموا من الوعود المتكررة والواقع الاقتصادي المتردي.

المفارقة في الحالة المجرية تكمن في أن النصر لم يتحقق على يد زعيم يساري، بل قاده بيتر ماغيار، وهو شخصية يمينية خرجت من رحم النظام نفسه. ركز ماغيار في خطابه على قضايا ملموسة تمس حياة المواطنين اليومية، مثل مكافحة الفساد المستشري ومواجهة غلاء المعيشة الفاحش، بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية التقليدية.

تؤكد التحليلات أن ما حدث في المجر لم يكن انتصاراً فكرياً لليسار، بل انتفاضة شعبية ضد نظام اعتمد المحسوبية أسلوباً للإدارة. وقد عبّر الشباب المجري عن إحباطه من الركود الاقتصادي وشعورهم بأن الدولة تحولت إلى شبكة لخدمة مصالح قلة قليلة على حساب المؤسسات الوطنية المتآكلة.

في السياق الإسرائيلي، يبرز تساؤل جوهري حول إمكانية تكرار هذا السيناريو، رغم القناعة السائدة بأن الشباب الإسرائيلي يميل للمحافظة واليمينية. ويرى مراقبون أن القراءة السطحية للواقع قد تخفي تحتها غلياناً شعبياً لا يقل خطورة عما شهدته المجر، خاصة مع تزايد الشعور بالاغتراب السياسي.

تشير البيانات الإحصائية لعام 2025 إلى صورة قاتمة لثقة الشباب الإسرائيلي في مؤسسات دولتهم، حيث لا تتجاوز نسبة الواثقين بالحكومة 28.1%. هذا الانهيار في الثقة يمتد ليشمل الكنيست أيضاً، مما يعكس فجوة متسعة بين جيل الشباب والطبقة السياسية التي تدير شؤون البلاد.

الأرقام الصادرة عن معاهد الأبحاث تظهر أن أقل من 10% من الشباب الإسرائيلي يعتقدون أن لديهم القدرة الفعلية على التأثير في السياسات العامة. هذا الشعور بالعجز لا يعني بالضرورة عدم المبالاة، بل يشير إلى يأس عميق من القواعد السياسية الحالية التي لم تعد تلبي طموحاتهم في حياة كريمة.

رغم هذا اليأس، أظهرت البيانات أن المشاركة المدنية والعامة للشباب شهدت ارتفاعاً ملحوظاً عقب اندلاع الحرب الحالية، مما ينفي تهمة الانعزال عنهم. هذا الجيل المنخرط في العمل الميداني والمدني يبدو أنه توقف عن الإيمان بالعملية السياسية التقليدية، لكنه يبحث عن مسارات بديلة للتغيير.

تاريخياً، شهدت نسبة تصويت الشباب في إسرائيل تراجعاً ملحوظاً، حيث انخفضت من نحو 80% في عام 2015 إلى حوالي 60% في الانتخابات الأخيرة. ومع ذلك، تظل هذه النسبة مرتفعة مقارنة بالعديد من الدول الأوروبية، مما يعني أن الكتلة التصويتية الشابة لا تزال قادرة على حسم النتائج إذا وجدت المحفز الصحيح.

يصنف الشباب الإسرائيلي أنفسهم باستمرار ضمن الجناح اليميني، ويميلون لدعم أحزاب الائتلاف الحاكم بناءً على اعتبارات قومية وأمنية. كما تظهر المسوحات الاجتماعية أن شريحة واسعة منهم تؤمن بضرورة الولاء للقادة، مما يجعل مهمة المعارضة التقليدية في استقطابهم غاية في الصعوبة.

يكمن مفتاح التغيير في فهم أن الجيل الشاب لا يسعى لتقويض السلطة بحد ذاتها، بل يتوق لوجود سلطة يمكنه الإيمان بنزاهتها وعدالتها. وهنا تبرز أهمية النموذج المجري، حيث لم يتحول الشباب هناك إلى ليبراليين، بل اختاروا يميناً جديداً يعد بالنظام والنظافة اليدوية بعيداً عن فساد النخبة الحاكمة.

رسم الزعيم المجري الفائز خطاً فاصلاً وحاسماً عنوانه 'الفساد'، وهو ما قد يكون المدخل الوحيد للتغيير السياسي في بيئة يسيطر عليها الفكر اليميني. فالجمهور الذي يقدس السلطة قد ينقلب عليها إذا شعر أنها فقدت شرعيتها الأخلاقية وتحولت إلى أداة لتسييس التعيينات وتحويل الميزانيات للمقربين.

تعاني إسرائيل في الوقت الراهن من عمليات ممنهجة لإضعاف 'حراس الدولة' وتسييس المؤسسات المهنية، وهو ما يولد شعوراً متزايداً بالضيق لدى المواطنين. هذا الشعور بالظلم، خاصة في أوقات الحروب والأزمات، يمثل الوقود الحقيقي لأي حراك سياسي قادم يهدف لتصحيح المسار.

في نهاية المطاف، التحدي الذي يواجه المعارضة الإسرائيلية ليس في تغيير أيديولوجيا الشباب، بل في تقديم قيادة تتحدث لغة العدالة والكرامة. إن الجيل الذي نشأ على احترام السلطة لن يقبل بالاستمرار في دعم منظومة فاسدة، وسيدرك عاجلاً أم آجلاً أن الولاء الحقيقي يجب أن يكون للدولة وقيمها وليس لأشخاص ينتهكون القواعد.

دلالات

شارك برأيك

دروس من المجر: هل تنجح المعارضة الإسرائيلية في استنساخ تجربة الإطاحة باليمين؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.