يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه الدبلوماسي واقعاً دولياً يزداد تعقيداً، حيث بدأت ملامح مقاومة عالمية لسياساته تتبلور بشكل أوضح. وتُظهر التطورات الأخيرة أن المقاربة الأمريكية القائمة على التهديد الاقتصادي والضغط العسكري لم تنجح في تحويل العواصم الكبرى إلى كيانات خانعة. هذا المشهد يتناقض تماماً مع تصورات الإدارة التي تعاملت لشهور مع العالم كساحة لشخصيات ثانوية يمكن إخضاعها بسهولة.
في الشرق الأوسط، شكل انهيار محادثات السلام مع إيران صدمة للمراقبين بعد جولات مكثفة استمرت لأكثر من عشرين ساعة. وبدلاً من التوصل إلى اتفاق، اختارت القيادة الإيرانية الاستمرار في المواجهة ورفض الشروط التي وصفتها واشنطن بالمتساهلة. هذا الفشل يعكس فجوة عميقة في فهم آليات التفاوض، حيث يرى دبلوماسيون أن التهديد بالهزيمة لا يمكن أن يكون بديلاً عن تقديم تنازلات متبادلة.
على الصعيد الأوروبي، تلقى ترامب ضربة سياسية قوية بخسارة أحد أقرب حلفائه الأيديولوجيين في القارة العجوز. فقد أطاح الناخبون في المجر برئيس الوزراء فيكتور أوربان، مما أفقد واشنطن ركيزة أساسية في قلب الاتحاد الأوروبي. هذه التحولات الانتخابية تشير إلى أن موجة الشعبوية التي يراهن عليها ترامب قد بدأت تواجه سدوداً منيعة داخل المجتمعات الديمقراطية الحليفة.
ولم تقتصر التحديات على السياسة والانتخابات، بل امتدت لتشمل الرموز الروحية العالمية، حيث دخل البابا ليو على خط المواجهة العلنية. فبعد سلسلة من السجالات، أكد البابا أنه لا يخشى التهديدات الأمريكية، معتبراً أن سلطته تستند إلى قيم لا تخضع للمساومات المادية. هذا الموقف زاد من عزلة الإدارة الأمريكية أخلاقياً أمام ملايين الكاثوليك حول العالم الذين يرفضون أسلوب الترهيب.
وتشير تقارير إلى وجود أزمة داخلية في صنع القرار بالبيت الأبيض، حيث يُحاط الرئيس بمساعدين يميلون للموافقة الدائمة على آرائه. ويعرب دبلوماسيون غربيون عن قلقهم من أن الحقائق الجيوسياسية الصعبة لا تصل إلى مكتب الرئيس بشكل دقيق. هذا الانفصال عن الواقع يعزز من اتخاذ قرارات متهورة قد تؤدي إلى صدامات عسكرية غير محسوبة، كما حدث في التوترات الأخيرة مع طهران.
نائب الرئيس جيه دي فانس عكس بوضوح عقلية الإدارة الحالية خلال تصريحاته الأخيرة حول الملف الإيراني. فقد شدد فانس على أن الولايات المتحدة تملي شروطها ولا تتفاوض بالمعنى التقليدي، وهو ما أثار استياءً واسعاً في الأوساط الدولية. واعتبر مراقبون أن هذا الخطاب يغلق أبواب الدبلوماسية ويحول الأزمات إلى فرص ضائعة لتهدئة التوترات الإقليمية والدولية.
قضية جزيرة غرينلاند عادت لتطفو على السطح مجدداً كعنوان للإصرار الأمريكي على تجاوز الخطوط الحمراء للحلفاء. ورغم الرفض القاطع من الدنمارك والاتحاد الأوروبي، لا يزال ترامب يلمح إلى أن الملف لم يغلق بعد، واصفاً الجزيرة بأنها قطعة جليدية سيئة الإدارة. هذه المناورات دفعت الدول الأوروبية للبحث عن استقلالية أمنية أكبر بعيداً عن مظلة الناتو التي يهدد ترامب بالانسحاب منها.
الولايات المتحدة قوية ولدينا نفوذ كبير، لكن نفوذنا ليس مطلقا، وحتى أفضل الدول تحتاج إلى حلفاء وأصدقاء وشركاء.
اقتصادياً، بدأت سياسة التعرفات الجمركية تؤتي ثماراً عكسية على المدى الطويل رغم بعض المكاسب الآنية مع شركاء مثل اليابان والهند. فالدول التي تشعر بالضغط الاقتصادي الأمريكي بدأت بالفعل في البحث عن شركاء تجاريين بدلاء لتقليل اعتمادها على واشنطن. هذا التوجه يضعف من قدرة الولايات المتحدة على استخدام سلاح العقوبات في المستقبل، حيث تصبح الدول أقل تأثراً بالقرارات الأمريكية المنفردة.
يرى خبراء في السياسة الخارجية أن فريق ترامب يرتكب خطأً جوهرياً بمعاملة القضايا الدولية كصفقات عقارية في نيويورك. فالحروب في أوكرانيا أو الصراعات في غزة ليست مجرد نزاعات على أراضٍ يمكن شراؤها أو بيعها، بل هي قضايا هوية وبقاء. تجاهل الأبعاد الإنسانية والتاريخية لهذه الصراعات يجعل من الحلول الأمريكية المقترحة غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، حذر من أن هذا النهج قد يسرع من وتيرة الانتقال إلى 'عالم ما بعد أمريكا'. وفي هذا العالم، لن تكون الولايات المتحدة هي المركز الوحيد للقرار، بل ستضطر لطلب المساعدة من قوى أخرى. الصين تبدو المستفيد الأكبر من هذا التراجع الأمريكي، حيث تملأ الفراغ الذي تتركه واشنطن في المنظمات الدولية والتحالفات الإقليمية.
المصادر الدبلوماسية تؤكد أن الترهيب لم يعد تكتيكاً ناجحاً في عالم متعدد الأقطاب يمتلك فيه الآخرون أدوات للرد. فكل فعل أمريكي يقابله رد فعل دولي، وإن لم يكن مساوياً له في المقدار، فإنه يعرقل الأهداف الأمريكية بوضوح. ومع ذلك، لا تظهر الإدارة الحالية أي علامات على التكيف مع هذه الحقيقة، بل تصر على مضاعفة الضغوط في كل ملف مفتوح.
في المقابل، يدافع البيت الأبيض عن هذه السياسات باعتبارها تصحيحاً لعقود من استغلال الولايات المتحدة من قبل الحلفاء والخصوم على حد سواء. ويؤكد المتحدثون باسم الخارجية أن الرئيس نجح في استغلال الهيمنة الاقتصادية لتحقيق مكاسب تجارية لم تكن ممكنة في السابق. لكن هذا النجاح الرقمي قد يكون على حساب الثقة الاستراتيجية التي بنيت على مدى عقود مع الشركاء التقليديين.
الواقع يشير إلى أن القوى الكبرى مثل بكين وموسكو تحظى باحترام أكبر من قبل ترامب مقارنة بالدول التي يراها ضعيفة. ومع ذلك، فإن ردود الفعل السلبية من الصين عندما تؤثر على أسواق الأسهم هي الوحيدة التي تجبر الإدارة على التراجع أو طلب الهدنة. هذا التمييز في التعامل يرسل رسائل سلبية للدول المتوسطة والصغيرة، ويدفعها للتحالف مع خصوم واشنطن لضمان حمايتها.
ختاماً، يبدو أن العالم يمر بمرحلة انتقالية حرجة تتسم بالفوضى وتراجع القيم الدبلوماسية التقليدية لصالح لغة القوة. وبينما تفتخر إدارة ترامب بكسر القواعد القديمة، يخشى الكثيرون من أن الثمن سيكون فقدان أمريكا لمكانتها كقوة عظمى موثوقة. إن الحاجة إلى حلفاء وشركاء تظل حقيقة ثابتة، حتى بالنسبة لأقوى دولة في العالم، وهو ما قد يكتشفه ترامب بعد فوات الأوان.





شارك برأيك
حدود القوة: كيف يواجه ترامب عالماً يرفض الانصياع للإرادة الأمريكية؟