أقلام وأراء

الأحد 12 أبريل 2026 7:54 مساءً - بتوقيت القدس

باكستان في قلب الإعصار..الوساطة كخيار وحيد للنجاة

في لحظات التأزم الكبرى، لا تُختبر مواقف الدول بما تعلنه في البيانات الرسمية، بل بما تخشاه خلف الكواليس. وفي خضم مشهد الحرب المتفجر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد باكستان نفسها تسير على حبل مشدود؛ حيث لم يعد التوازن الدقيق خيارًا دبلوماسيًا، بل ضرورة وجودية لا تقبل الخطأ.


الجغرافيا السياسية.. قدر لا يمكن تجاوزه  

رغم أن باكستان ليست طرفًا مباشرًا في فتيل المواجهة، إلا أنها تقف في قلب ارتداداتها. فالجوار مع إيران، والتشابكات الأمنية، والمصالح الاقتصادية المتداخلة، تجعل "الحياد السلبي" ترفًا لا تملكه، كما تجعل "الانخراط المباشر" مغامرة مفتوحة على المجهول.


وتتجلى العقدة الأكثر تعقيدًا في علاقتها الاستراتيجية مع السعودية ودول الخليج. فهذه العلاقة لا تقتصر على التحالف السياسي، بل تمثل صمام أمان للاقتصاد الباكستاني، من خلال الدعم المالي واحتضان ملايين العمالة. غير أن هذا العمق الاستراتيجي يتحول في زمن الأزمات إلى عبء ثقيل؛ إذ إن أي تصعيد واسع سيضع إسلام آباد أمام ضغوط متزايدة لتحديد موقعها بوضوح، وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية.


معضلة الداخل وتحديات الخارج  

إن خيار الدخول في مواجهة، ولو بشكل غير مباشر، مع إيران ليس قرارًا عاديًا. فذلك يعني فتح جبهة حساسة على حدود طويلة ومعقدة، والدخول في بيئة أمنية قد يصعب السيطرة عليها. كما أن الداخل الباكستاني يبقى عاملًا حاسمًا، حيث يمتلك الشارع حساسية عالية تجاه أي اصطفاف قد يُفهم على أنه تقاطع مع إسرائيل، وهو ما قد يخلق توترًا سياسيًا واجتماعيًا عميقًا.


في المقابل، فإن الابتعاد الكامل عن الصراع لا يخلو من كلفة. فقد يُنظر إليه من قبل الحلفاء، وعلى رأسهم السعودية، كابتعاد عن التزامات استراتيجية في لحظة حساسة، وهو ما قد ينعكس على الدعم الاقتصادي والسياسي الذي تحتاجه باكستان للحفاظ على استقرارها.


الوساطة.. من خيار دبلوماسي إلى ضرورة وطنية  

بين هذين المسارين، لا تجد باكستان أمامها سوى طريق ثالث: العمل على احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب شاملة. هنا، لا تعود الوساطة مجرد أداة لتحسين الموقع السياسي، بل تتحول إلى وسيلة لحماية التوازن الداخلي والخارجي في آن واحد.


إن سعي إسلام آباد لتهدئة الأوضاع يعكس إدراكًا عميقًا بأن استمرار المواجهة سيضعها أمام خيارات قاسية، جميعها مكلف. ولذلك، فإن التحرك نحو التهدئة، ومحاولة فتح قنوات تواصل بين الأطراف، ليسا تعبيرًا عن طموح دبلوماسي بقدر ما هما استجابة لضرورات البقاء.


وقد أظهرت التحركات الأخيرة أن باكستان تحاول لعب دور يتجاوز نقل الرسائل، نحو المساهمة في تثبيت التهدئة وفتح نافذة زمنية لاحتواء التصعيد. ورغم أن الحديث عن نجاحات كاملة قد يكون مبكرًا، إلا أن مجرد القدرة على دفع الأطراف نحو التهدئة المؤقتة يعكس وزنًا سياسيًا لا يمكن تجاهله.


الخاتمة  

إن استمرار النيران في المنطقة لا يهدد فقط بتغيير موازين القوى، بل يضع باكستان أمام اختبار وجودي يمس استقرارها الداخلي وعلاقاتها الخارجية معًا. ومن هنا، فإن تحركها نحو الوساطة ليس ترفًا سياسيًا، بل محاولة لتجنب خسارة كبرى قد لا يمكن تعويضها.


في عالم تتسارع فيه الأزمات، قد لا يكون الدور الأهم لمن يشارك في الحرب، بل لمن ينجح في منعها او ايقافها

دلالات

شارك برأيك

باكستان في قلب الإعصار..الوساطة كخيار وحيد للنجاة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.