عربي ودولي

السّبت 11 أبريل 2026 10:57 مساءً - بتوقيت القدس

قلعة قايتباي بالإسكندرية.. حارس التاريخ فوق السطح وأسرار الحضارة الغارقة في الأعماق

على سواحل مدينة الإسكندرية، حيث تتلاطم أمواج البحر المتوسط مع صخور الشاطئ، تقف قلعة قايتباي كشاهد حي على حقب تاريخية متداخلة. هذا البناء الحجري الشامخ لا يمثل مجرد أثر دفاعي من العصر المملوكي، بل يعد بوابة تفصل بين عالمين؛ أحدهما صامد فوق اليابسة والآخر غارق في أعماق البحر يروي حكاية مدينة مفقودة.

بدأت قصة القلعة في عام 1477 ميلادية، حين قرر السلطان الأشرف قايتباي المحمودي تشييد حصن منيع في موقع استراتيجي فريد. وقد أدرك السلطان، الذي يعد من أبرز حكام المماليك وأطولهم عهداً أن تأمين الإسكندرية يبدأ من السيطرة على مدخل مينائها الشرقي لحمايتها من التهديدات البحرية المتزايدة في ذلك العصر.

اختيار الموقع لم يكن عشوائياً، فقد بنيت القلعة فوق أنقاض منارة الإسكندرية القديمة، التي كانت تصنف كأول منارة في التاريخ وإحدى عجائب الدنيا السبع. وتؤكد المصادر التاريخية أن هذا الموقع منح القلعة أهمية استثنائية في التحكم بحركة السفن ومراقبة السواحل، مما جعلها حائط الصد الأول عن الديار المصرية.

أفادت مصادر أثرية بأن المنارة القديمة لم تختفِ تماماً من الوجود، بل إن بقاياها الضخمة لا تزال ترقد في قاع البحر المحيط بالقلعة. وتشير الدراسات التي تناولتها منظمة اليونسكو إلى فرضية قوية تفيد بأن السلطان قايتباي أعاد استخدام بعض الحجارة الضخمة للمنارة المنهارة في تشييد أسوار قلعته وحصونها.

بمجرد الغوص تحت سطح الماء بجوار أسوار القلعة، يتكشف عالم صامت يضج بالتاريخ، حيث تظهر أعمدة حجرية وتماثيل عملاقة ملقاة على القاع. هذه القطع المعمارية ليست مجرد حطام عشوائي، بل هي أجزاء من قصور وموانئ كانت تشكل قلب الإسكندرية الملكية في العصور البطلمية والرومانية قبل أن تغمرها المياه.

أوضح خبراء في الآثار البحرية أن هذه المشاهد الغارقة تمثل مدينة متكاملة لا تزال تحتفظ بملامحها المعمارية رغم مرور القرون. ويؤكد المتخصصون أن فهم تاريخ الإسكندرية يظل ناقصاً ما لم يتم الربط بين ما هو قائم فوق الأرض وما هو مخفي تحت الأمواج، حيث تنتظر الآثار من يعيد قراءتها علمياً.

تعتمد دراسة هذه الكنوز الغارقة على تقنيات دقيقة في علم الآثار البحرية، تتيح للباحثين إعادة بناء المشهد التاريخي القديم وتوثيق القطع الأثرية في مكانها الأصلي. هذه الجهود العلمية تسعى لفك لغز غرق أجزاء واسعة من المدينة القديمة، والتي يعتقد أنها تأثرت بزلزال وهزات أرضية عنيفة في الماضي.

لم تكن قلعة قايتباي مجرد جدران صماء، بل كانت مجتمعاً عسكرياً متكاملاً يضم كافة المرافق الضرورية للحياة والدفاع. فقد احتوت القلعة على مسجد للصلاة، وغرف مخصصة لإقامة الجنود، بالإضافة إلى مخازن واسعة للأسلحة والذخيرة وصهاريج للمياه لضمان الصمود أثناء الحصار.

عبر القرون، واجهت القلعة تحديات جسيمة وتعرضت لأضرار مختلفة، لا سيما خلال العهد العثماني وما تلاه من أحداث سياسية وعسكرية. وفي عام 1798، شهدت القلعة فصلاً جديداً من المواجهة أثناء الحملة الفرنسية على مصر، حيث تعرضت للقصف واستخدمت كمركز عسكري للقوات الغازية والمدافعة على حد سواء.

يرى مؤرخون أن القلعة تمثل حالة من الاستمرارية التاريخية للموقع، حيث استمرت البقعة الجغرافية ذاتها في أداء دورها القيادي عبر العصور. فمن منارة تهدي السفن في العصور القديمة، إلى حصن يصد الغزاة في العصور الوسطى، وصولاً إلى معلم سياحي وأثري عالمي في العصر الحديث.

تؤكد وزارة السياحة والآثار المصرية أن القلعة خضعت لعمليات ترميم متعددة للحفاظ على نسيجها المعماري الفريد من عوامل التعرية البحرية. وتعد القلعة اليوم واحدة من أهم الوجهات السياحية في مصر، حيث تجذب الزوار لاستكشاف أبراجها والاستمتاع بإطلالتها البانورامية على البحر والمدينة.

إن التناقض بين صمود القلعة فوق السطح وغرق المدينة تحت الماء يخلق حالة من السحر والغموض تحيط بالمكان. فالبحر الذي كان سبباً في ازدهار الإسكندرية تجارياً، كان هو نفسه الذي ابتلع أجزاء من عظمتها المعمارية وحفظها بين ثناياه بعيداً عن أيدي العبث.

تتحول كل قطعة أثرية يتم اكتشافها تحت الماء إلى لحظة استثنائية تعيد جزءاً مفقوداً من الذاكرة الإنسانية إلى النور. هذه الاكتشافات المستمرة تؤكد أن الإسكندرية مدينة لا تزال تبوح بأسرارها قطرة بقطرة، وأن ما نعرفه عنها ليس سوى قشرة خارجية لتاريخ عميق ومعقد.

في الختام، تظل قلعة قايتباي نقطة التوازن المثالية بين عالمين؛ عالم ملموس يمكن التجول في ردهاته، وعالم غارق يتطلب العلم والاستكشاف للوصول إليه. وبين ما بقي صامداً وما غرق في الأعماق، تستمر الإسكندرية في كتابة تاريخها بطريقة فريدة تجعل من الحجر والموج راويين لا يملان القص.

دلالات

شارك برأيك

قلعة قايتباي بالإسكندرية.. حارس التاريخ فوق السطح وأسرار الحضارة الغارقة في الأعماق

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.