مع دخول الحرب على إيران أسبوعها السادس، يبرز السؤال الاستراتيجي حول مسار هذه المواجهة ومستقبلها في ظل معطيات الميدان المعقدة. لقد تمكنت طهران من امتصاص الصدمة العسكرية الأولى، مما أفشل رهانات الحسم السريع التي روج لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
المؤشرات الحالية تؤكد أن النظام الإيراني لم يسقط ولم يذعن للشروط الأمريكية الجديدة، كما أن الرهان على تحرك الشارع أو نشاط التنظيمات الانفصالية لم يحقق النتائج المرجوة. هذا الصمود وضع الإدارة الأمريكية أمام خيارات صعبة، خاصة مع بقاء القوة العسكرية الإيرانية فاعلة وقادرة على المناورة.
تقف الحرب اليوم أمام ثلاثة مسارات أساسية؛ إما إعلان أمريكي أحادي الجانب لنهاية العمليات، أو التوصل لاتفاق عبر مفاوضات شاقة، أو الاستمرار في التصعيد وتوسيع رقعة الصراع. ورغم أن الحل السياسي يبقى المسار الأوفر حظاً على المدى البعيد، إلا أن المعطيات الراهنة لا تدعم هذا التوجه قريباً.
ثمة عوامل قد تدفع ترامب للتفكير في وقف الحرب، منها الضغوط الداخلية والتبعات الاقتصادية القاسية، لا سيما التهديدات التي تواجه إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز. ومع ذلك، فإن هذه الضغوط لا تبدو كافية لإجبار البيت الأبيض على التراجع، خاصة في ظل الالتزام بأمن إسرائيل.
أما مسار المفاوضات، فيبدو متعثراً لغياب الأرضية المشتركة وانعدام الثقة المتبادلة بين واشنطن وطهران حتى اللحظة. ورغم جهود الوساطة التي بذلتها دول إقليمية مثل تركيا ومصر وباكستان، إلا أن الرسائل المتبادلة اصطدمت بطريق مسدود نتيجة الاشتراطات المتبادلة.
يبرز العامل الأول الدافع للتصعيد في عدم تحقيق الأهداف الاستراتيجية المعلنة للحرب، وعلى رأسها تقويض البرنامج النووي والصاروخي الإيراني. ومن وجهة نظر عسكرية، فإن وقف العمليات الآن يعني اعترافاً بالفشل في تغيير سلوك طهران الإقليمي أو إسقاط نظامها السياسي.
العامل الثاني يتعلق بـ 'سردية النصر'، حيث يحتاج كل من ترامب ونتنياهو إلى تقديم إنجاز ملموس للجبهة الداخلية قبل خوض أي استحقاقات انتخابية. التوقف عند الحالة الراهنة لا يمنح أياً منهما فرصة لادعاء تحقيق نصر حاسم، مما يجعلهما يميلان نحو خيار الاستمرار لانتزاع تنازلات أكبر.
إيران تدرك أنها غير قادرة على هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، لكن واشنطن وتل أبيب عاجزتان أيضاً عن تحقيق نصر حاسم وكامل.
تعدد الجبهات يشكل العامل الثالث في تعقيد المشهد، مع دخول حزب الله اللبناني وقوى أخرى في المنطقة على خط المواجهة بفعالية. هذا الترابط بين الجبهات يجعل أي اتفاق ثنائي بين واشنطن وطهران أمراً صعب المنال دون معالجة ملفات إقليمية متداخلة وشديدة الحساسية.
في المقابل، يظهر وضع إيران الداخلي والقيادي تماسكاً غير متوقع بعد الضربات الأولى، مما منحها قدرة على استعادة زمام المبادرة. وترى القيادة الإيرانية أن استمرار الاستنزاف قد يعزز أوراقها التفاوضية، خاصة فيما يتعلق بالضغط الاقتصادي العالمي عبر تعطيل الملاحة البحرية.
العامل الخامس والأخير يتمثل في الموقف الإسرائيلي الذي يخشى من أي 'تقلب' مفاجئ في قرارات الرئيس ترامب. ويسعى نتنياهو بكل قوته لضمان استمرار الزخم العسكري وتضييق الخيارات الدبلوماسية، خوفاً من اتفاق لا يلبي الطموحات الأمنية الإسرائيلية بالكامل.
إن التباين في المصالح بين واشنطن وتل أبيب حول شروط وقف الحرب يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد الميداني لفرض وقائع جديدة. إسرائيل تضغط باتجاه استغلال الفرصة التاريخية لضرب القدرات الإيرانية بشكل غير قابل للترميم، وهو ما يتطلب وقتاً أطول من المهلة التي قد يمنحها ترامب.
على الصعيد الإقليمي، تترقب الدول المجاورة مآلات هذا الصراع بحذر شديد، خوفاً من الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة لا تستثني أحداً. العزلة الدولية التي تعاني منها واشنطن في هذه الحرب تزيد من تعقيد الموقف، لكنها لم تمنعها حتى الآن من مواصلة الضغط العسكري.
بالنظر إلى هذه العوامل المجتمعة، فإن فرص التهدئة تبدو ضئيلة جداً في المدى المنظور، والسيناريو المرجح هو زيادة حدة الضربات المتبادلة. إن غياب قنوات الاتصال المباشرة والفعالة يجعل من سوء التقدير العسكري شرارة محتملة لتوسيع نطاق المواجهة لتشمل أطرافاً دولية أخرى.
في الخلاصة، فإن الحرب على إيران مرشحة للاستمرار والتصعيد بغض النظر عن التهديدات اللفظية أو المهل الزمنية المعلنة. المشهد القائم يشير إلى أن الطرفين المعتديين عالقان في استراتيجية لا تضمن لهما نصراً سريعاً، بينما تراهن طهران على عامل الوقت واستنزاف الخصوم.





شارك برأيك
خمسة دوافع ترجح كفة التصعيد في المواجهة العسكرية مع إيران