اعتبر الصحفي الأمريكي فريد زكريا، في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست أن السياسات التي ينتهجها الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران تمثل كارثة دبلوماسية من صنعه الشخصي. وقارن زكريا بين تخبط ترامب الحالي وبين خطأ الرئيس الأسبق باراك أوباما المتعلق بـ'الخط الأحمر' في سوريا، مشيراً إلى أن تراجع أوباما حينها يبدو الآن أكثر عقلانية وحكمة بالنظر إلى حجم التناقضات التي تعصف بالبيت الأبيض اليوم.
وسلط المقال الضوء على التهديد الذي وجهه ترامب الأسبوع الماضي عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أمهل طهران 48 ساعة لفتح مضيق هرمز بالكامل دون شروط. وتوعد ترامب في حال عدم الامتثال بضرب وتدمير محطات الطاقة الإيرانية، بدءاً من المنشآت الكبرى، في تصعيد وصفه مراقبون بأنه قد يشعل فتيل مواجهة إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها.
وعلى الرغم من الرفض الإيراني الصريح للامتثال لهذه التهديدات واستمرار إغلاق المضيق، إلا أن رد فعل ترامب جاء مغايراً تماماً لوعيده السابق. فقد أعلن الرئيس الأمريكي بشكل مفاجئ عن تأجيل الضربات العسكرية لمدة خمسة أيام، متحدثاً عن وجود 'محادثات مثمرة' مع الجانب الإيراني، وهو الأمر الذي سارعت طهران إلى نفيه جملة وتفصيلاً، مما وضع الإدارة الأمريكية في موقف محرج.
ولم يتوقف التراجع عند هذا الحد، بل عاد ترامب ليمدد الهدنة لأسبوع ونصف إضافيين، مما جعل تصريحاته تخضع لمعايير متغيرة وغير مستقرة أمام المجتمع الدولي. ويرى زكريا أن مواقف ترامب، سواء برفع الرسوم الجمركية أو التهديد بتدمير حقول الغاز، باتت تتبدل خلال أيام قليلة، مما يفقد الحلفاء والخصوم على حد سواء القدرة على التنبؤ بالخطوة الأمريكية القادمة.
وفي مفارقة لافتة، أعلن ترامب في يوم واحد أن الحرب 'شبه منتهية'، ليعود بعد ساعات ويؤكد أن الانتصارات المحققة غير كافية وأنه لن يتراجع إلا بتحقيق هزيمة ساحقة للعدو. كما أبدى استعداده للتفاوض مع القادة الإيرانيين، قبل أن يتراجع مجدداً بحجة مقتلهم في العمليات العسكرية التي تنفذها القوات الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يعكس حالة من عدم الاتساق في إدارة الأزمة.
تراجع أوباما عن الخط الأحمر في سوريا يبدو اليوم أكثر حكمة مقارنة بما جرى منذ بدء الحرب الإيرانية وتخبط مواقف ترامب.
وفي سياق متصل، تشير تقارير سابقة إلى أن الخطاب الأمريكي تجاه المنطقة بات يتخذ طابعاً أيديولوجياً حاداً، حيث وصف وزير الحرب الأمريكي الصراع الحالي بأنه يشبه 'الحملات الصليبية'. ويعكس هذا التوجه استخدام الغرب الإنجيلي للخطاب الديني كأداة لتجريد الشعوب العربية من ثرواتها المادية والروحية، وهو امتداد لفكر استشراقي مهد قديماً للاستعمار الأوروبي في المنطقة.
ويرى محللون أن أوروبا الحديثة والولايات المتحدة توظفان العنف الديني وتتهمان الآخرين به، في حين تحتكران خطاب حقوق الإنسان لتبرير التدخلات العسكرية. وتنظر هذه القوى للمنتمين للمنطقة ككتلة إسلامية في صراع وجودي، بغض النظر عن توجهاتهم السياسية، وهو ما يفسر الدعم الحماسي الذي يبديه بعض أنصار ترامب للحرب الحالية رغم معارضتهم السابقة لحروب الشرق الأوسط.
ويؤكد زكريا أن المشكلة الجوهرية تكمن في أن ترامب قد لا يجد مخرجاً سهلاً لهذه الحرب، نظراً لامتلاك إيران قدرات عسكرية تمكنها من إلحاق ضرر جسيم بالاقتصاد العالمي. وبينما يرى مؤيدو ترامب في هذا التناقض 'عبقرية استراتيجية' تهدف لإرباك الخصوم، يرى الخبراء أن تقلب السياسات ناتج عن اضطرابات الأسواق واعتبارات سياسية داخلية ضيقة لا تخدم المصالح القومية بعيدة المدى.
وختم المقال بالإشارة إلى أن المصداقية الأمريكية تحولت إلى ما يشبه 'برنامجاً تلفزيونياً غريباً'، حيث يحاول الرئيس معالجة أزمات ولدت أساساً من تصريحاته المتهورة. فبعد أن ألمح سابقاً إلى أن حماية مضيق هرمز لا تهم واشنطن، عاد ليجعلها محور صراع عالمي، في ظل إشادة من رجال أعمال كانوا ينتقدون سابقاً عدم استقرار السياسات الحكومية وتأثيرها السلبي على الأسواق.





شارك برأيك
فريد زكريا: تناقضات ترامب في الملف الإيراني تقوض المصداقية الأمريكية وتخلق أزمة عالمية