هناك لحظات في الحروب لا تعلن فيها النهاية رسميا، لكن المؤشرات تقول ذلك حتى لو استمرت الطائرات بالتحليق، والحالة الايرانية تشبه ذلك الى حد كبير، فالأهداف الاستراتيجية للعدوان تبدو اليوم اما غير قابلة للتحقق او فقدت معناها السياسي.
الحرب بدأت بسلسلة اهداف واضحة، القضاء على البرنامج النووي وتغيير النظام وخلق واقع اقليمي جديد، لكن بعد اسبوعين يتضح انها لم تتحقق، فالضربات التي استهدفت سابقا المنشآت النووية في نطنز وفوردو وروج لها سياسيا بانها دمرت قدرات ايران النووية ثبت زيفها، وهذه الحرب خير دليل على ذلك، مع وجود مخاوف من امكانية تعافي البرنامج خلال فترة قصيرة لان البنية التحتية او جزء منها قائم واليورانيوم المخصب نقل او اخفي، والنتيجة ليست مفاجئة، فاستهداف المفاعل العراقي عام 1981 ورغم الفرق الكبير في النتائج، الا ان البرنامج العراقي لم ينته فعليا الا بعد عقد مع دخول المفتشين الدوليين للعراق.
أما الهدف المتعلق باحداث صدمة سياسية تقود لتحرك شعبي، فهي فرضية تكررت في تاريخ الحروب الاميركية، خلال العدوان على العراق عام 2003 تحدثت ادارة بوش عن "الصدمة والترويع" لشل قدرة النظام سياسيا وعسكريا، لكن التجربة اظهرت ان المجتمعات التي تتعرض لهجوم خارجي تميل للتماسك بدل الانهيار، والمشهد في طهران خلال يوم القدس العالمي يحمل دلالة سياسية عميقة، فظهور القادة بين الجماهير ووسط العاصمة بعد اسابيع من الضربات يرسل رسالة واضحة مفادها ان الحسابات الاولية للحرب سقطت.
أما الهدف المتعلق باعادة تشكيل التوازن الاقليمي فيظهر بوضوح حدود القوة العسكرية، الاقليم يعاد تشكيله لكن ليس بالضرورة كما اريد له، فايران ليست دولة صغيرة او معزولة جغرافيا، وهي تعادل عشرات اضعاف مساحة ساحات الصراع التي اعتادت تل ابيب العمل فيها مثل غزة او جنوب لبنان، فالعقيدة العسكرية الاسرائيلية التي تقوم تقليديا على القوة النارية والتفوق الجوي لتحقيق ردع سريع نجحت في بعض الحروب التقليدية القصيرة في العقود الأول من الاحتلال، لكنها واجهت حدودها مع اجتياح لبنان 1982 للقضاء على المقاومة الفلسطينية وفرض نظام سياسي جديد، عسكريا وصلت القوات الى بيروت لكن النتيجة الاستراتيجية كانت مختلفة تماما، فاحتلال جنوب لبنان دفع بحزب الله للواجهة، فكان الهروب الكبير بعد عقدين دون تحقيق اهداف سياسية، التجربة ذاتها تكررت في غزة، فالقوة التدميرية كانت كبيرة لكن الخصوم استمروا سياسيا، وتعاظموا شعبيا وعسكريا، وبالتالي فان فكرة نقل النموذج نفسه الى دولة بحجم ايران محل سؤال كبير.
من هنا بدأ الخطاب السياسي في واشنطن يتغير وتصريحات ترامب باتت اقل وضوحا واقرب الى الشعارات، احيانا يوحي بان نهاية العمليات قريبة رغم استمرار المعارك، وان الحرب قد تنتهي قريبا في اشارة الى ان ادارته بدأت تتحدث فعليا عن مرحلة ما بعد الحرب، يتزامن ذلك مع خيارات اكثر خطورة كارسال المارينز للسيطرة على المواد والمنشآت النووية، فكرة قد تبدو منطقية نظريا لكنها تفتح الباب لسيناريو مختلف.
التدخل البري الاميركي له تاريخ طويل ومعقد، عام 1991 اخرج الجيش العراقي من الكويت خلال حملة عسكرية قصيرة لان الهدف كان محدودا جغرافيا وسياسيا، لكن عندما دخلت العراق لاسقاط صدام تحولت العملية لحرب طويلة استمرت لسنوات، فضلا عن الاف القتلى من الجنود الامريكيين ومئات مليارات الدولارات، والتدخل البري في ايران مخاطره اكبر، فايران اليوم ليست العراق او افغانستان قبل عقدين، اضافة الى تضاريس معقدة وتسعين مليون انسان، ماذا لو سقط عدد من المارينز قتلى او اسرى، لحظات يمكن ان تغير مسار الحرب، فخلال الحرب الاميركية في الصومال عام 1993 ادى قتل وسحب جثث الجنود الاميركيين في شوارع مقديشو الى تغيير كامل في مسار الحرب.
لهذا تبدو المرحلة الحالية انتقالية اكثر منها مرحلة حسم، العمليات مستمرة لكن النقاش تحول الى ما بعد الحرب؟ فالحروب الكبرى غالبا ما تمر بهذه اللحظة، حين يصبح الاستمرار في المعارك ممكنا عسكريا لكنه يفقد معناه الاستراتيجي، عندها يبدأ البحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه، وترامب الذي ظن انه يمكن ان يكون مختلفا عن اسلافه، يبدو انه سيواجه ذات المصير على الاقل.
أقلام وأراء
الأحد 15 مارس 2026 10:31 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
الحرب التي فقدت أهدافها: كيف وصلت المواجهة مع إيران إلى طريق مسدود؟