عربي ودولي

الأربعاء 11 مارس 2026 5:33 مساءً - بتوقيت القدس

تحقيق فرنسي يكشف أسرار 'شقة باريس': كيف أدار إبستين شبكته من قلب العاصمة؟

أماط تحقيق مطول لصحيفة لوموند الفرنسية اللثام عن تفاصيل جديدة تتعلق بنشاط الملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين، مؤكداً أنه اتخذ من شقته الفاخرة في شارع 'أفينيو فوش' بباريس مركزاً رئيسياً لعملياته في القارة الأوروبية. واستمر هذا النشاط لمدة قاربت 18 عاماً، حيث تحولت الشقة الواقعة في أرقى أحياء العاصمة الفرنسية إلى نقطة تلاقي تجمع بين الصفقات المالية واللقاءات الاجتماعية رفيعة المستوى.

وأوضح التحقيق أن الموقع الاستراتيجي للشقة قرب قوس النصر جعل منها مقراً مثالياً لاستضافة شخصيات بارزة في مجالات السياسة والاقتصاد والفن. ومع ذلك، تشير الوثائق إلى أن هذا العقار الفاخر كان يخفي خلف جدرانه نشاطات إجرامية، حيث يُشتبه في كونه أحد المواقع الرئيسية التي شهدت اعتداءات جنسية ممنهجة ضد فتيات وقاصرات.

وتشير ملفات قضائية أمريكية إلى أن إبستين كان يواظب على زيارة باريس بجدول زمني محدد، حيث كان يقضي فيها نحو أسبوعين كل شهرين. وخلال هذه الفترات، كان يدمج بين اجتماعاته المهنية وبين استقبال شابات يتم استدراجهن تحت غطاء العمل في عروض الأزياء أو تقديم خدمات التدليك، وهو ما كشفت المراسلات اللاحقة زيفه.

تبلغ مساحة الشقة الباريسية أكثر من 700 متر مربع، وتضم ملحقات سكنية إضافية في الطوابق العليا من المبنى ذاته. وعندما داهمت الشرطة الفرنسية المكان في سبتمبر 2019، عثرت على ديكورات غير مألوفة ومجموعات من الصور والتماثيل الغريبة، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الصور الفوتوغرافية لنساء في وضعيات مخلة موزعة في غرف النوم والتدليك.

ومن أبرز ما ضبطته السلطات الفرنسية أجهزة حاسوب ووسائط تخزين رقمية تحتوي على قوائم مفصلة لأكثر من ستين امرأة. وتضمنت هذه القوائم بيانات دقيقة حول أعمارهن والممارسات المرتبطة بكل واحدة منهن، مع إشارات واضحة تحدد ما إذا كانت الضحية قاصراً وقت وقوع الحادثة، مما يعزز فرضية وجود شبكة استغلال منظم.

اعتبر التحقيق أن شقة باريس كانت حلقة وصل أساسية ضمن إمبراطورية عقارية عالمية امتلكها إبستين، شملت منازل في نيويورك وفلوريدا ونيومكسيكو، وصولاً إلى جزيرته الخاصة في الكاريبي. وكانت هذه المواقع تُستخدم كمنصات لبناء نفوذه المالي والاجتماعي، وتسهيل عمليات استغلال النساء بعيداً عن أعين الرقابة القانونية.

خلال إقاماته الباريسية، لم يكتفِ إبستين بالنشاطات السرية، بل كان يحرص على الظهور كشخصية مرموقة في المجتمع الفرنسي. فقد كان يلتقي برجال أعمال ومستثمرين من أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، مقدماً نفسه بصفة مستشار مالي دولي، وكان يرتاد المقاهي التاريخية في حي سان جيرمان والفنادق الأكثر فخامة في المدينة.

نقلت الصحيفة شهادات لموظفين سابقين في العقار، أكدوا فيها أن حركة الفتيات كانت لا تتوقف على مدار اليوم. وأفاد أحد العاملين بأن ما بين 10 إلى 15 شابة كن يدخلن الشقة يومياً في فترات صباحية ومسائية، بينما وصفت عاملة تنظيف المشهد بأنه كان يتكرر عدة مرات في اليوم الواحد وبشكل يثير الريبة.

وفي سياق الشهادات، روت عارضة أزياء فرنسية سابقة تفاصيل تعرضها للاغتصاب داخل الشقة في عام 2008. وأوضحت أنها استُدرجت إلى المكان بعد وعود كاذبة بفرص عمل في قطاع الموضة، لتجد نفسها ضحية لاعتداء جنسي، وهي شهادة تكررت على لسان نساء أخريات قلن إنهن وقعن تحت سيطرته لسنوات طويلة.

دفعت هذه المعطيات القضاء الفرنسي إلى توسيع دائرة التحقيقات للنظر في وجود شبكة منظمة للاتجار بالبشر تعمل لصالح إبستين في أوروبا. وتركزت التحقيقات بشكل مكثف على علاقة إبستين بوكيل عارضات الأزياء الفرنسي جان-لوك برونيل، الذي يُعتقد أنه كان المورد الرئيسي للفتيات اللواتي يتم نقلهن بين باريس والولايات المتحدة.

كشف تحقيق 'لوموند' أيضاً عن طموحات إبستين لتوسيع نفوذه في فرنسا قبيل اعتقاله، حيث كان يسعى لشراء طوابق إضافية في مبنى 'أفينيو فوش'. كما بحث الملياردير الراحل عن عقارات فخمة على ساحل البحر المتوسط، في إشارة إلى رغبته في الاستقرار الدائم في أوروبا هرباً من الملاحقات المحتملة في واشنطن.

توقفت كافة خطط التوسع هذه بشكل مفاجئ عند اعتقال إبستين في الولايات المتحدة في يوليو 2019، فور عودته من رحلة خارجية شملت باريس. وكان هذا الاعتقال بمثابة بداية النهاية لإمبراطوريته الغامضة، حيث وجهت له تهم ثقيلة تتعلق بإدارة شبكة دولية لاستغلال القاصرات جنسياً.

بعد شهر واحد من إيداعه السجن، عُثر على إبستين ميتاً في زنزانته بنيويورك، وهي الحادثة التي أغلقت ملفه الجنائي الشخصي لكنها فتحت أبواب التساؤلات حول شركائه. وأثارت وفاته موجة من نظريات المؤامر والجدل العالمي حول الجهات النافذة التي ربما كانت مستفيدة من صمته أو متورطة في أنشطته المشبوهة.

تظل قضية إبستين في فرنسا ملفاً مفتوحاً يلاحق العديد من الشخصيات التي ارتبطت به، حيث تحاول السلطات تفكيك خيوط الشبكة التي سمحت له بالعمل بحرية لسنوات. ويؤكد تحقيق 'لوموند' أن باريس لم تكن مجرد محطة عابرة، بل كانت ركيزة أساسية في المنظومة التي بناها إبستين بعيداً عن المساءلة لقرابة عقدين.

دلالات

شارك برأيك

تحقيق فرنسي يكشف أسرار 'شقة باريس': كيف أدار إبستين شبكته من قلب العاصمة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.