أقلام وأراء

الأربعاء 11 مارس 2026 10:26 صباحًا - بتوقيت القدس

المرشد الإيراني بين العمامة والبندقية

يبدو ان التاريخ يحب المفارقات الثقيلة، فدولة قامت ثورتها على إسقاط نظام ملكي وراثي تجد نفسها اليوم أمام انتقال للسلطة من الأب الى الابن، وفي أعلى موقع سياسي وديني فيها، انتقال يضعها أمام تناقض، فالثورة التي قامت على رفض الوراثة وعلى فكرة ولاية الفقيه بوصفها شرعية دينية، تستند الى الفقه وليس الى السلالة، لذلك يُخشى من تحول المنصب الى ما يشبه سلالة حاكمة جديدة، لكن في دولة ثورية، وفي زمن الحرب، فغالبا ما تقدم الشرعية العسكرية على الشرعية الايديولوجية.
غير ان قراءة ما يجري في طهران من زاوية هذه المفارقة وحدها تبقى قراءة سطحية، فاختيار خامنئي الابن مرشدا بعد اغتيال والده لا يمثل مجرد انتقال شخصي في هرم السلطة، بل لحظة اعادة تشكيل في بنية الجمهورية نفسها، وفي موقعها داخل معادلات الصراع الاقليمي والدولي، فمنذ الثورة لم يكن منصب المرشد مجرد سلطة دينية او رمزية، بل مركز الثقل الكامل للدولة ونقطة التقاء أذرعها، من المؤسسة العسكرية والقرار النووي، الى السياسة الخارجية وتوازنات النخب الاقتصادية والسياسية.
 في هذا السياق يصبح صعود خامنئي الإبن أكثر من كونه مفاجئا، فالرجل لم يكن شخصية عامة في المشهد السياسي، لكنه كان لسنوات جزءا من الحلقة التي تربط المؤسسة الدينية بالأمنية، فالتقارير الغربية تحدثت عن علاقاته الوثيقة بالحرس الثوري، وفي دولة تعيش تحت هذا الضغط، غالبا ما تصبح الثقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية عاملا حاسما في اختيار القيادة.
لكن السياسة لا تتحرك دائما وفق نقاء المبادئ، بل ووفق منطق البقاء ايضا، فلحظة الانتقال هذه تأتي في سياق اقليمي شديد التوتر وحرب مع واشنطن وتل أبيب، وتلقى دعما او مشاركة من دول اوروبية وازنة، وفي مثل هذه الظروف يكون الميل نحو تقليص هامش المغامرة، فاختيار شخصية من داخل مراكز القرار يرسل رسالة واضحة عن بنية الدولة وقدرتها على الاستمرار والتجدد.
 لكن بالنسبة لواشنطن فهذا التطور يحمل دلائل مهمة، لان الدوائر الغربية عموما كانت تنظر الى المرشد بوصفه الاقرب الى قلب الدولة، والرسالة الضمنية هنا ان اختيار مرشدا من بيت المرشد يعني ان لا مفاجئات، بل استمرارا لنهجه في دعم المقاومة والصدام مع الغرب، اي لا زعيما اصلاحيا مفاجئا ولا انعطافا جذريا في السياسات الاقليمية، وبالتالي الرهان الإيراني التقليدي يقوم على فكرة الصمود الطويل واستنزاف الخصوم، وهي فكرة متجذرة في الذاكرة التاريخية الإيرانية من حرب الخليج الى المواجهة الطويلة مع العقوبات الغربية.
 غير ان فهم هذه اللحظة يظل ناقصا اذا جرى اختزال إيران في بعدها الايديولوجي فقط، فجزء كبير من التحليل الغربي يقرأ النظام الإيراني باعتباره حركة دينية راديكالية، بينما في إيران يرون انفسهم دولة حضارية قديمة تسعى الى تثبيت استقلالها في بيئة اقليمية متقلبة، وهذه الفجوة في الفهم تفسر الى حد كبير استمرار هذه الحالة من التوتر رغم كل محاولات الاحتواء او الضغط.
 في المقابل تنظر دول الخليج الى إيران من زاوية مختلفة تماما، فمنذ سبعينيات القرن الماضي قامت معادلة الامن الخليجي على حماية امريكية مقابل الاستقرار النفطي، لكن إيران طورت نموذجا مختلفا يقوم على مزيج من القدرات العسكرية غير التقليدية، وشبكات الحلفاء الإقليميين، فضلا عن القدرة على ادارة حروب طويلة او منخفضة الكلفة، لهذا تبدو طهران في الوعي الخليجي قوة توسعية، بينما ترى إيران فيه امتدادا للنفوذ الامريكي وشكلا من اشكال الحصار.
 ضمن هذا المشهد المعقد قد لا يكون صعود خامنئي الابن مجرد تغيير في الأسماء بل إشارة واضحة على ان المنطقة مقبلة على استمرار حالة لا حرب شاملة ولا تسوية نهائية، بل توازن توتر طويل يعيد تشكيل خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

دلالات

شارك برأيك

المرشد الإيراني بين العمامة والبندقية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.