تحليل

السّبت 07 مارس 2026 11:31 صباحًا - بتوقيت القدس

ارتدادات الحرب الإقليمية على أسواق الطاقة: بين العقوبات على موسكو وضغوط النفط العالمية


واشنطن – سعيد عريقات – 7/3/2026

تحليل إخباري

تشهد أسواق الطاقة العالمية مرحلة شديدة الاضطراب في ظل التداخل المتزايد بين الصراعات الجيوسياسية والقرارات الاقتصادية الكبرى. وفي هذا السياق أعلنت واشنطن أن الإجراءات الأخيرة المتعلقة بالنفط الروسي لا تهدف إلى تخفيف القيود المفروضة على موسكو، بل تقتصر على التعامل مع الشحنات التي ما تزال في طريقها إلى روسيا، في محاولة لاحتواء اضطراب السوق دون تعديل جوهري في منظومة العقوبات.

وجاء هذا الإعلان بالتزامن مع تصريحات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يوم الجمعة، والتي أشار فيها إلى أن الإدارة الأميركية تدرس إمكانية رفع العقوبات عن كميات إضافية من النفط الروسي. ويأتي هذا التوجه بعد يوم واحد فقط من سماح واشنطن مؤقتاً للهند بشراء شحنات نفط روسية عالقة في البحر، في خطوة تعكس محاولة واضحة لزيادة المعروض النفطي في الأسواق العالمية التي تشهد ارتفاعاً حاداً في الأسعار.

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، حيث أدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والهجمات الانتقامية التي شنتها طهران في منطقة الخليج إلى اضطراب واسع في قطاعي الطاقة والنقل الدوليين. وبلغت هذه الاضطرابات ذروتها مع شبه توقف للحركة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، ما أثار مخاوف كبيرة بشأن استقرار الإمدادات العالمية.

وقد انعكست هذه التطورات سريعاً على الأسعار، إذ ارتفع سعر النفط الخام بنسبة 8.5% يوم الجمعة، مسجلاً زيادة تقارب 30% خلال أسبوع واحد. وجاء هذا الارتفاع بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن "استسلام إيران غير المشروط" هو الطريق الوحيد لإنهاء حرب الشرق الأوسط، وهو تصريح زاد من حدة المخاوف في الأسواق العالمية بشأن احتمال اتساع نطاق الصراع.

وفي مقابلة مع قناة "فوكس بيزنس"، أوضح بيسنت أن هناك مئات الملايين من براميل النفط الخام الخاضعة للعقوبات في عرض البحر، مشيراً إلى أن رفع القيود عن جزء منها يمكن أن يوفر إمدادات إضافية للأسواق. ومع ذلك، شددت واشنطن على أن هذه الخطوات لا تعكس تغييراً في سياستها تجاه موسكو أو موقفها من الحرب في أوكرانيا، بل تندرج ضمن إجراءات مؤقتة لتخفيف الضغط عن الأسواق العالمية والمحلية.

وأضاف بيسنت أن وزارة الخزانة ستواصل اتخاذ إجراءات تهدف إلى تخفيف التوتر في سوق الطاقة خلال فترة النزاع، في إشارة إلى القلق المتزايد داخل الإدارة الأميركية من تداعيات ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد العالمي وعلى المستهلكين في الداخل الأميركي.

في المقابل، أشار كيريل ديميترييف، المستشار الاقتصادي للكرملين، إلى أنه يناقش هذه القضية مع الولايات المتحدة، مؤكداً عبر منصة "إكس”"أن العقوبات الغربية ألحقت أضراراً بالاقتصاد العالمي بقدر ما استهدفت روسيا.

وكانت الحكومة الأميركية قد أعلنت يوم الخميس تخفيفاً مؤقتاً لبعض العقوبات للسماح ببيع النفط الروسي العالق في البحر إلى الهند. وأوضحت أن هذه المعاملات، بما في ذلك تلك التي تتم عبر سفن مدرجة على قوائم الحظر في أنظمة عقوبات مختلفة، مسموح بها حتى نهاية يوم الثالث من أبريل/نيسان 2026.

وتعكس هذه الخطوة توازناً دقيقاً تحاول واشنطن الحفاظ عليه بين استمرار الضغط السياسي والاقتصادي على موسكو من جهة، ومنع حدوث صدمة حادة في أسواق الطاقة العالمية من جهة أخرى، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية وتتعقد حسابات العرض والطلب في سوق النفط الدولية.

وتكشف هذه التطورات عن مفارقة في السياسة الأميركية تجاه روسيا، إذ تحاول واشنطن الحفاظ على نظام العقوبات كأداة ضغط سياسي، بينما تضطر في الوقت ذاته إلى تخفيف بعض القيود عملياً لتجنب أزمة طاقة عالمية. فارتفاع الأسعار بشكل حاد قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الأميركي نفسه، خصوصاً في ظل حساسية الأسواق الداخلية لأسعار الوقود. لذلك تبدو هذه الإجراءات أقرب إلى إدارة تكتيكية للأزمة، تسمح بزيادة الإمدادات مؤقتاً دون الاعتراف رسمياً بتخفيف العقوبات.

وتؤكد أزمة مضيق هرمز مجدداً مدى هشاشة منظومة الطاقة العالمية أمام الصراعات العسكرية في الشرق الأوسط. فمجرد تعطل الملاحة في هذا الممر الحيوي قادر على دفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية خلال أيام قليلة. وهذا يوضح أن الأسواق لا تتفاعل فقط مع حجم الإمدادات الفعلية، بل أيضاً مع المخاطر المتوقعة. لذلك فإن أي تصعيد عسكري إضافي في المنطقة قد يدفع الدول المستهلكة الكبرى إلى البحث بشكل أسرع عن بدائل استراتيجية طويلة المدى.

من جهة أخرى، تمنح هذه الأزمة روسيا فرصة لإبراز خطابها القائل إن العقوبات الغربية تضر بالاقتصاد العالمي بقدر ما تستهدف موسكو. فالسماح ببيع النفط الروسي العالق في البحر، حتى لو كان مؤقتاً، يعكس اعترافاً عملياً بأن استبعاد كميات كبيرة من الخام الروسي من السوق العالمية ليس أمراً سهلاً. كما أن استمرار الطلب عليه من دول مثل الهند يوضح أن اعتبارات الطاقة غالباً ما تتغلب على الحسابات السياسية في النظام الاقتصادي الدولي.

دلالات

شارك برأيك

ارتدادات الحرب الإقليمية على أسواق الطاقة: بين العقوبات على موسكو وضغوط النفط العالمية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.