تحليل

الأربعاء 04 مارس 2026 7:45 مساءً - بتوقيت القدس

بين النفط والنفوذ: حرب ترمب على إيران ومخاطر الزلزال الاقتصادي العالمي

واشنطن – سعيد عريقات – 4/3/2026

تحليل إخباري

لم تعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مجرد تطور عسكري عابر في سجل التوترات المزمنة بين واشنطن وطهران، بل تحولت إلى اختبار شامل لقدرة القوة الأميركية على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للطاقة من بوابة الإكراه. فالرئيس الأميركي  دونالد ترمب لا يخوض مواجهة تقليدية يمكن قياسها بعدد الضربات أو حجم الخسائر، بل يغامر برهان أوسع: إخضاع أحد أكبر مخزونات الهيدروكربونات في العالم لإرادة سياسية جديدة، وإعادة رسم توازنات إقليمية ودولية تتجاوز حدود الخليج.

في العمق، تتجاوز الحرب خطاب الردع والأمن إلى سؤال السيطرة على الموارد. إيران ليست خصمًا عسكريًا فحسب، بل خزان طاقة هائل ظل لعقود خارج المنظومة الغربية بفعل العقوبات. إدماج هذه الثروة في الأسواق العالمية بشروط مواتية لواشنطن سيشكل تحولًا استراتيجيًا بالغ الأثر. غير أن هذا الطموح يفترض قدرة على التحكم بمآلات ما بعد الصراع، وهي قدرة لطالما أثبت التاريخ محدوديتها. فإعادة تشكيل دولة بحجم إيران ليست عملية هندسية يمكن ضبط نتائجها سلفًا، بل عملية معقدة تتشابك فيها الهوية الوطنية، وموازين الردع، وحسابات الكرامة السياسية.

غير أن طهران تدرك بدورها نقطة قوتها. فبدل البحث عن حسم تقليدي، تراهن على سلاح التعطيل. ويكفي النظر إلى حساسية "مضيق هرمز" لفهم حجم المخاطر. نحو خمس صادرات النفط العالمية تمر عبر هذا الممر الضيق، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. مجرد التلويح بتهديد الملاحة فيه يرفع أقساط التأمين ويقلب حسابات الأسواق، فكيف إذا تحول التهديد إلى تعطيل فعلي؟ هنا يصبح الاقتصاد العالمي رهينة معادلة لا تحسمها الطائرات أو الصواريخ بقدر ما تحسمها ثقة الأسواق وسلوك الناقلات.

الارتدادات ظهرت سريعًا في أوروبا وآسيا. القارة الأوروبية، التي سعت إلى تقليص اعتمادها على الغاز الروسي بعد حرب أوكرانيا، وجدت نفسها وقد استبدلت تبعية بأخرى. الاعتماد المتزايد على الغاز الطبيعي المسال الخليجي بدا خيارًا عقلانيًا في لحظة سياسية معينة، لكنه كشف هشاشته عند أول اختبار أمني. ارتفاع الأسعار الحاد أعاد شبح التضخم، وطرح معضلة صعبة أمام الحكومات والبنوك المركزية: هل تُضحّي بالنمو لكبح الأسعار، أم تتحمل موجة غلاء جديدة ذات كلفة اجتماعية وسياسية مرتفعة؟ هكذا تتحول حرب لا تشارك فيها أوروبا عسكريًا إلى عبء اقتصادي مباشر على صناعاتها ومستهلكيها.

أما آسيا، التي تشكل الطاقة المستوردة عصب نموها الصناعي، فترى في أي اضطراب طويل الأمد تهديدًا لقدرتها التنافسية. وفي قلب هذا المشهد تقف الصين، التي استفادت خلال السنوات الماضية من النفط الإيراني المخفّض. تقليص هذا التدفق لا يضغط على طهران وحدها، بل يرفع كلفة الطاقة على بكين ويعقّد حساباتها الصناعية. وإذا كان جزء من الرهان الأميركي يقوم على استخدام الطاقة أداة احتواء في سياق التنافس مع الصين، فإن النتيجة قد لا تكون بالضرورة إضعاف الخصم، بل دفعه إلى تسريع بناء منظومات موازية، وتعميق شراكات بديلة، بما يعزز انقسام الاقتصاد العالمي إلى كتل متنافسة.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أقل هشاشة نسبيًا بفضل طفرة النفط الصخري التي قلصت اعتمادها على الواردات. كما يمنحها موقع الدولار في النظام المالي العالمي قدرة على امتصاص الصدمات على المدى القصير. لكن هذه الحصانة ليست مطلقة. فأسعار الطاقة المرتفعة عالميًا تتسلل سريعًا إلى الداخل الأميركي عبر سلاسل الإمداد والأسواق المالية. والأهم أن صورة واشنطن كمهندس اضطراب واسع قد تكلّفها رأسمالًا دبلوماسيًا تحتاجه في إدارة تحالفاتها.

ويتقاطع هذا كله مع مشروع إقليمي أوسع برز منذ توقيع "اتفاقيات آبراهام"  ، الذي رسم تصورًا لشرق أوسط أكثر اندماجًا اقتصاديًا بين إسرائيل ودول عربية تحت مظلة أمنية أميركية. في هذه الرؤية، تمثل إيران العقبة الأكبر أمام نظام إقليمي مستقر ومواتٍ لواشنطن. إضعافها قد يفتح الباب أمام تسريع مشاريع الربط الاقتصادي والاستثماري. لكن الافتراض بأن إزالة الخصم تؤدي تلقائيًا إلى الاستقرار يتجاهل تعقيدات البيئة الإقليمية، حيث الفراغات غالبًا ما تولد صراعات جديدة بدل أن تُغلق القديمة.

المفارقة الكبرى أن حربًا تُخاض جزئيًا لتأمين موارد الطاقة قد تفضي إلى زعزعة استقرار الأسواق ذاتها. فاستراتيجية “رفع الكلفة” التي تعتمدها طهران، عبر توسيع نطاق التهديد وتعطيل التدفقات، تجعل أي مكسب عسكري محتمل مكلفًا اقتصاديًا على مستوى النظام العالمي. ومع تصاعد الأسعار، يلوح شبح الركود التضخمي، وهو سيناريو لم تتعافَ منه الاقتصادات المتقدمة بسهولة في سبعينيات القرن الماضي.

في النهاية، لا يكمن السؤال الحاسم في ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تحقيق تفوق عسكري، بل في ما إذا كان الإطار الاستراتيجي الذي تستند إليه الحرب قابلًا للاستدامة. الرهان يفترض أن الإكراه يمكن أن يعيد ترتيب جغرافيا الطاقة من دون انفلات شامل، وأن إيران يمكن إخضاعها من دون إشعال أزمة نظامية، وأن الضغط على الصين لن يسرّع انقسام العالم إلى معسكرات اقتصادية متناحرة. غير أن التاريخ يميل إلى معاقبة التصورات التي تبالغ في قدرتها على التحكم في النتائج.

هكذا تبدو الحرب مقامرة كبرى على استقرار هش. فإذا أخفقت الحسابات، فلن تقتصر الكلفة على طهران أو الخليج، بل ستمتد إلى مصانع أوروبا، وموانئ آسيا، وبيوت الأميركيين أنفسهم. وفي عالم مترابط إلى هذا الحد، قد تكون أخطر نتائج الحرب تلك التي لم تُدرج أصلًا في جداول المخططين.

دلالات

شارك برأيك

بين النفط والنفوذ: حرب ترمب على إيران ومخاطر الزلزال الاقتصادي العالمي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.