تحليل

الأربعاء 18 فبراير 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

"مجلس السلام" لترمب وغزة: وعود ضخمة، تفويض غامض، ومشروع سياسي متنكر في ثوب الإعمار

يُسوَّق "مجلس السلام" الذي دعا إليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب — والمقرر أن ينعقد في واشنطن في 19 شباط — بوصفه اختراقاً تاريخياً في مسار تعافي غزة. وتقول الإدارة الأميركية إن الدول الأعضاء ستعلن تعهدات تتجاوز خمسة مليارات دولار للمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، إلى جانب التزام بـ"اف العناصر" لتشكيل قوة دولية للاستقرار، إضافة إلى منظومة للشرطة المحلية. غير أن السؤال الجوهري، خلف العلامة التجارية واللقطات الدعائية وأجواء التهنئة الذاتية، ما زال بلا جواب: لا أحد يعرف على وجه الدقة ما الذي يفترض أن يفعله هذا المجلس، وما هي السلطة التي يدّعيها، أو ما الذي يمكنه تحقيقه واقعياً.


طرح ترمب المبادرة في كانون الثاني، واحتفى بتشكيلها في دافوس الشهر الماضي، مقدماً إياها كمنصة لـ"السلام العالمي". وكعادته، جاءت لغته قصوى ومبالغاً فيها، بوعدٍ يبدأ من غزة لكنه يتجاوزها بكثير. وسيكون لقاء واشنطن أول اجتماع رسمي منذ إنشاء المجلس، لكنه يبدو أقرب إلى مناسبة مُعدّة لإعلانٍ سياسي مُسرحي منه إلى قمة عمل حقيقية: أموالٌ مُعلنة، أفرادٌ مُوعود بهم، ورواية أميركية تقودها واشنطن عن "استعادة النظام".


إلا أن الوصف العلني للمجلس يبدو أقرب إلى شعار سياسي منه إلى آلية دولية قابلة للحياة. فصندوق إعادة إعمار، وقوة استقرار، وهيكل "شرطة محلية" ليست عناوين متبادلة يمكن استخدامها على نحو فضفاض؛ بل تتطلب تفويضات واضحة، وأُطراً قانونية، وسلاسل قيادة، وقواعد اشتباك، وموافقة الطرف المضيف، وآليات مساءلة. ويزيد إصرار ترمب على ترؤسه المجلس بنفسه من الشكوك حول كونه هيئة متعددة الأطراف بالمعنى الحقيقي، ويعزز الانطباع بأنه ائتلاف موجَّه أميركياً، هدفه تجاوز المؤسسات التي تقيّد هامش الحركة الأميركية.


وتنعكس هذه الشبهة بالفعل في قائمة العضوية. فقد قبلت أكثر من عشرين دولة دعوة ترمب، بينها إسرائيل وقطر والسعودية وتركيا ومصر. لكن الغياب اللافت لحلفاء أوروبيين كبار ليس تفصيلاً. إذ عبّرت عدة حكومات أوروبية، علناً وضمنياً، عن مخاوف من أن المجلس صُمّم ليحل محل الأمم المتحدة. ورفضها ليس رمزياً فحسب، بل ضربة عملية: فأي جهد جدي لإعادة الإعمار يحتاج تمويلاً طويل الأمد، وخبرات تقنية، وشرعية سياسية — وهي عناصر لا يمكن الاستغناء فيها عن الدور الأوروبي.


وكانت الرمزية المؤسسية بدورها متعمدة. فقد جرى تغيير اسم "معهد الولايات المتحدة للسلام» في ديسمبر/كانون الأول إلى "معهد دونالد جي ترمب للسلام"، بعد أن كانت الإدارة قد أضعفت المعهد عبر إقالة عدد كبير من مجلس إدارته وموظفيه، ضمن حملة "إدارة كفاءة الحكومة" التي استهدفت المساعدات الخارجية والمؤسسات شبه المستقلة. وبذلك تحولت منصة كانت تاريخياً مخصصة لبناء السلام إلى نصب سياسي شخصي، ما عزز الانطباع بأن المجلس ليس مبادرة محايدة، بل مركبة تحمل علامة ترمب وتعمل على تركيز الفضل والقرار في يد واحدة.


كما ينبغي التعامل بحذر مع الادعاءات المالية المطروحة. فخمسة مليارات دولار تبدو رقماً لافتاً في العناوين، لكنها جزء صغير مما يتطلبه تعافي غزة. فقد قدّر تقييم مشترك للأضرار والاحتياجات أعدته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي العام الماضي أن إعادة الإعمار قد تتجاوز 70 مليار دولار وتستغرق سنوات. وبالمقارنة، تبدو تعهدات المجلس أقرب إلى دفعة أولى — وحتى ذلك مشروط بأن تكون الأموال حقيقية وجديدة وقابلة للصرف، لا مجرد التزامات معاد تدويرها في مناسبة إعلامية.


وتتسع فجوة المصداقية أكثر مع "الخطة الرئيسية" التي يروّج لها جاريد كوشنر، صهر ترمب ورجل الأعمال العقاري الذي ساهم في التفاوض على وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس. فقد عرض كوشنر رؤية تتضمن مئات ناطحات السحاب ومدناً جديدة ومنطقة سياحية ساحلية. وادعى أن البناء قد يستغرق عامين أو ثلاثة ويتطلب استثمارات لا تقل عن 25 مليار دولار، مع الإصرار على أن الأشهر المقبلة ستُخصص لتوصيل المساعدات. وتشبه هذه الخطة، في شكلها، مشاريع "المدن العملاقة" الخليجية، لكنها في مضمونها السياسي أقرب إلى خيال استعماري: إعادة تطوير بلا سيادة.


فغزة ليست أرضاً خالية تنتظر المستثمرين. إنها إقليم محطم يخرج من نزوح واسع النطاق، وبنية تحتية مدمرة، وسلطة سياسية غير محسومة. وإعادة الإعمار ليست مجرد صبّ خرسانة؛ بل تشمل حقوق الملكية، والنزاعات على الأراضي، وعودة الأسر النازحة، وشرعية الحكم، والسيطرة على الحدود. لا يمكن بناء منطقة سياحية فوق فراغ سياسي، ولا تجيب ناطحات السحاب عن سؤال: من يحكم؟ من يؤمّن؟ ومن يتحدث باسم الفلسطينيين؟


أما الجانب الأمني فهو النقطة التي تبدو فيها طموحات المجلس أكثر إثارة للقلق. إذ يقول ترمب إن الدول الأعضاء ستلتزم بآلاف العناصر لقوة دولية للاستقرار ولشرطة محلية، لكنه لم يوضح ما إذا كانت إسرائيل ستقبل بوجود هذه القوة، أو ما إذا كانت ستعمل باستقلالية، أو ما إذا كانت ستتحول إلى حاجز يسمح لإسرائيل بالانسحاب الشكلي مع الحفاظ على الهيمنة الإستراتيجية. وبالنسبة للفلسطينيين، قد يصبح مصطلح "الاستقرار" مجرد تعبير ملطف لإدارة أمنية خارجية — أي نظام سيطرة جديد يُعاد تسويقه كاهتمام إنساني.


كما أعاد ترمب في إعلانه تكرار مطلب رئيسي: أن تلتزم حماس بـ"نزع سلاح كامل وفوري". وهذا المطلب جزء أساسي من الإطار الأميركي، لكنه أيضاً الأكثر تفجيراً سياسياً. فنزع السلاح لا يمكن فرضه بمرسوم؛ بل يحتاج إلى تسوية سياسية، وسلطة حكم شرعية، وبديل أمني موثوق. ومن دون ذلك، تبدو الدعوة إلى نزع السلاح أقرب إلى شروط استسلام منها إلى بناء سلام، بما يهدد أي وقف لإطلاق النار بالانهيار تحت وطأة الإذلال وانعدام الثقة.


وليس توقيت اجتماع المجلس عرضياً. فهو يأتي بعد جولة ثانية من المحادثات الأميركية–الإيرانية غير المباشرة في جنيف، أعقبت جولة سابقة في عُمان. وقد هدد ترمب مراراً بضرب إيران إذا لم تكبح برنامجها النووي، بينما أصر وزير الخارجية ماركو روبيو على أن الرئيس يفضل حلولاً تفاوضية. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي إن الكرة "في الملعب الأميركي" لإثبات الجدية. ويكشف هذا التزامن نمطاً متكرراً: دبلوماسية استعراضية على جبهة، مع توظيف الضغط القسري على جبهة أخرى.


في المحصلة، قد لا يكون "مجلس السلام" مؤسسة بقدر ما هو أداة سياسية: وسيلة لترمب كي يدّعي ملكية مستقبل غزة، ويدفع الحلفاء إلى الاصطفاف، ويطرح بديلاً عن الشرعية المتمحورة حول الأمم المتحدة. وما إذا كان المجلس سيصبح آلية فاعلة أو سينتهي إلى هامشية بلا أثر، سيتوقف على ما بعد 19 شباط: هل ستُصرف الأموال فعلاً؟ من سيقود أي قوة أمنية؟ وهل للفلسطينيين دور حقيقي يتجاوز كونهم موضوعاً لخطط الآخرين؟


حتى الآن، يخفي الاسم الكبير للمجلس جوهراً فارغاً: وعدٌ بالسلام بلا خطة.

دلالات

شارك برأيك

"مجلس السلام" لترمب وغزة: وعود ضخمة، تفويض غامض، ومشروع سياسي متنكر في ثوب الإعمار

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.