أُسدل الستار في العاصمة السويسرية جنيف على الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، وسط مؤشرات تتأرجح بين التفاؤل الدبلوماسي والتحذيرات العسكرية. وأكدت طهران أن هذه الجولة حققت خروقات إيجابية مقارنة بسابقتها، رغم استمرار حالة التوتر الإقليمي التي تظلل المشهد السياسي في المنطقة.
ونقلت مصادر صحفية عن مسؤول أمريكي تأكيده بأن المحادثات أحرزت تقدماً ملموساً في عدة ملفات، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الشياطين تكمن في التفاصيل التي لا تزال قيد البحث. ومن المقرر أن يعود الوفد الإيراني إلى طهران للتشاور، على أن يعود خلال الأسبوعين المقبلين بمقترحات عملية تهدف إلى حلحلة النقاط العالقة.
من جانبه، صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن الطرفين نجحا في صياغة تفاهمات أولية حول المبادئ الكبرى التي ستحكم أي اتفاق مستقبلي. وأوضح عراقجي أن العمل جارٍ حالياً على تبادل مسودات لوثيقة الاتفاق المحتمل، محذراً من أن الطريق لا يزال طويلاً أمام الحل النهائي بسبب تعقيد الملفات الجوهرية.
وفي مقابل هذه الأجواء الدبلوماسية، برز خطاب تصعيدي من قِبل المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، الذي لوح بتوجيه ضربة قاصمة للقوات الأمريكية في حال حدوث أي مواجهة عسكرية. واعتبر خامنئي أن القدرات الصاروخية الإيرانية تمثل خطاً أحمر لا يمكن التفاوض عليه، مشدداً على أن واشنطن لا تملك الحق في التدخل ببرامج الردع الوطنية.
وتشير تقارير دولية إلى أن طهران قد تكون مستعدة لتقديم تنازلات تقنية مؤقتة، تشمل وقف تخصيب اليورانيوم لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. كما تتضمن هذه المقترحات إمكانية نقل جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى طرف ثالث، يرجح أن يكون روسيا، في محاولة لبناء جسور الثقة مع المجتمع الدولي.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوات الإيرانية تهدف إلى انتزاع مكاسب اقتصادية وتجارية من واشنطن، مقابل تجميد مؤقت للأنشطة النووية الحساسة. ومع ذلك، تظل هذه المقترحات مرهونة بمدى استجابة الإدارة الأمريكية لمطالب رفع العقوبات الاقتصادية التي تخنق الاقتصاد الإيراني منذ سنوات.
وفي قراءة للموقف الإيراني، وصف محللون تصريحات الخارجية الإيرانية بأنها ترحيب حذر يفتقر إلى الضمانات الحقيقية. وأكدت مصادر مطلعة أن العائق الأكبر يكمن في انعدام الثقة التاريخي بين الجانبين، حيث تطالب طهران بضمانات قانونية تمنع أي إدارة أمريكية مستقبلية من الانسحاب من الاتفاق.
المحادثات شهدت تطورات إيجابية وتم التوصل لتفاهمات حول المبادئ الرئيسية، لكن هذا لا يعني قرب التوصل لاتفاق نهائي.
وعلى الجانب الأمريكي، يبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تميل حالياً إلى إعطاء فرصة للمسار الدبلوماسي بدلاً من الخيار العسكري المباشر. وأوضح مستشارون سابقون في الخارجية الأمريكية أن واشنطن تهدف من خلال هذه المحادثات إلى تقليل احتمالات الصدام المسلح في الشرق الأوسط عبر مقايضات محدودة.
ويرى خبراء في العلاقات الدولية أن ما يجري في جنيف هو عملية 'إدارة أزمة' أكثر من كونه سعياً لاتفاق شامل ونهائي. فالهدف الإيراني الحالي يتركز على خلق سردية دولية تظهر طهران كطرف مرن يسعى للسلام، وذلك لسحب الذرائع من يد الأطراف التي تدفع باتجاه التصعيد العسكري.
ويعتقد أكاديميون أن أي اتفاق جزئي قد يتم التوصل إليه، خاصة إذا اقتصر على الملف النووي دون معالجة النفوذ الإقليمي، سيواجه معارضة شديدة. ومن المتوقع أن تثير مثل هذه التفاهمات حفيظة الجانب الإسرائيلي الذي يرى في أي تخفيف للضغوط على إيران تهديداً مباشراً لأمنه القومي.
وتظل قضية الصواريخ الباليستية حجر عثرة رئيسي في المفاوضات، حيث تصر واشنطن على إدراجها ضمن أي صفقة شاملة، بينما تعتبرها طهران جزءاً لا يتجزأ من سيادتها. هذا التباين الجذري في الرؤى يجعل من الصعب التنبؤ بنجاح الجولات القادمة في تحقيق اختراق حقيقي ينهي الأزمة المستمرة منذ عقود.
إن المرونة السياسية التي أبداها المسؤولون الأمريكيون في الغرف المغلقة لم تترجم بعد إلى خطوات عملية على أرض الواقع، خاصة فيما يتعلق بملف العقوبات. وتنتظر الأوساط السياسية ما سيسفر عنه اجتماع الأسبوعين المقبلين، حيث ستكون المقترحات الإيرانية الجديدة بمثابة اختبار حقيقي لجدية الأطراف في الوصول إلى تسوية.
ختاماً، تبقى مفاوضات جنيف محطة هامة في مسار الصراع الإيراني الأمريكي، لكنها تظل محفوفة بالمخاطر والتعقيدات. فبينما تسعى الدبلوماسية لإيجاد مخرج، تظل لغة التهديد العسكري حاضرة في الخلفية، مما يجعل الاستقرار الإقليمي رهناً بتوافقات صعبة المنال بين القوتين.





شارك برأيك
مفاوضات جنيف النووية: تفاهمات أولية على المبادئ وسط تهديدات متبادلة