أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:51 صباحًا - بتوقيت القدس

تطبيع الظلم… ولم تنتهِ حلول الأرض

ليس السؤال اليوم هل تعاني السلطة الفلسطينية أزمة مالية؟ فهذا بات معلومًا، مُكرَّرًا، ومُستهلكًا في الخطاب العام. السؤال الحقيقي، والأكثر خطورة ووجعًا هو: من يتحمّل أصلًا كلفة الاحتلال؟

وفق كل القوانين الدولية، وكل الأعراف الإنسانية، وكل السوابق التاريخية، فإن الدولة المحتلّة تتحمّل كامل المسؤولية عن السكان الواقعين تحت احتلالها: الصحة، التعليم، البنية التحتية، المياه، الكهرباء، الخدمات الأساسية، وحقوق الإنسان اليومية. هذا ليس رأيًا سياسيًا، ولا توصيفًا خطابيا، بل نصٌّ صريح في القانون الدولي الإنساني.

لكن في الحالة الفلسطينية، جرى ما لم يجرِ في أي احتلال آخر في العالم: الاحتلال انسحب من فاتورة المسؤولية… وبقي ممسكًا بكل أدوات السيطرة.


سلطة بلا سيادة… ومسؤوليات بلا صلاحيات


حين أُنشئت السلطة الفلسطينية، لم تُنشأ كدولة مستقلة، ولا حتى كإدارة ذات سيادة. أُنشئت كجسم إداري مؤقت، يعمل في ظل الاحتلال، وضمن اتفاقيات دولية، على أن يُموَّل عبر المنح والمساعدات الدولية، باعتبار أن الاحتلال ما زال قائمًا، وأن المسؤولية النهائية ما زالت عليه. لكن الذي حدث تدريجيًا، وشيئًا فشيئًا، وبهدوء شديد، تراجعت المساعدات، جفّ التمويل الخارجي، تحوّلت المنح إلى قروض، ثم تحوّل التمويل إلى ضرائب تُجبى من المواطن الواقع تحت الاحتلال.

وهنا بدأت الكارثة الأخلاقية والسياسية. أصبح المواطن الفلسطيني يدفع فاتورة الرواتب والنفقات التشغيلية، بدلًا عن المحتل.

اليوم، المواطن الفلسطيني يُطالَب بأن يدفع كأنه يعيش في دولة مستقلة مكتملة السيادة، بينما هو في الحقيقة يعيش تحت احتلال كامل، لا يسيطر على معابره، ولا على موارده، ولا على أرضه، ولا على اقتصاده، ولا حتى على قراره المالي.

ومن ذلك، يدفع ضريبة دخل، يدفع ضريبة قيمة مضافة، يدفع رسوم خدمات، ثمن الماء والكهرباء، أقساط التعليم، يدفع ثمن العلاج، ويُموِّل – بشكل مباشر أو غير مباشر – رواتب الموظفين والنفقات التشغيلية. النتيجة تحوّل الاحتلال إلى مشروع منخفض الكلفة، وتحوّل المواطن إلى مموِّل دائم لحالة قهره.


أخطر ما في الأزمة: تطبيع الظلم


الأخطر من العجز المالي، ليس تأخر الرواتب، ولا ارتفاع الديون، بل أن يصبح دفع ثمن الاحتلال أمرًا طبيعيًا، وأن يتحول السؤال من: لماذا لا يدفع الاحتلال؟ إلى: لماذا لا يتحمّل المواطن أكثر؟

هذا ليس فقط إنهاكًا اقتصاديًا، بل كسرٌ بطيء للإرادة المجتمع، وتآكل صامت في معنى الصمود، وتحويل تدريجي للقضية من قضية تحرر… إلى أزمة رواتب.

الأزمة المالية الفلسطينية لا يمكن، ولا يجب فصلها عن السياق القانوني للاحتلال. وأي معالجة لا تعيد التأكيد على مسؤولية الاحتلال القانونية، وعدم شرعية نقل الأعباء إلى السكان الواقعين تحت السيطرة، ستبقى معالجة ناقصة، بل ومضلِّلة. إعادة تصويب النقاش المالي الفلسطيني ليست مسألة محاسبية، بل ضرورة قانونية وسياسية،تحمي المواطن من تحمّل كلفة وضع لم يختره، ولم يكن مسؤولًا عن استمراره.

في خضم هذه الأزمة، يخرج من موقع المسؤولية من يصرّح، بأن “حلول الأرض انتهت”، وكأن ما نعيشه قدرٌ مالي لا فكاك منه، أو سقفٌ نهائي لا يمكن تجاوزه. حتى لو افترضنا حسن النية، وصدق الخطاب المالي، فإن الصدق وحده لا يصنع حلولًا، ولا يُعفي المنظومة من مسؤولية البحث عن بدائل وطنية. هنا يجب التمييز بوضوح لا لبس فيه، بين نفاد الحلولٍ لدى بعض صُنّاع القرار، وبين الادّعاء بأن حلول الأرض نفسها قد نفدت. فالأرض التي ما زالت تُنتج، والشعب الذي ما زال يعمل، والاقتصاد الذي ما زال حيًّا رغم القيود، لم تستنفد إمكانياتها. ما استُنفد هو منطق إدارة الأزمة بدل مواجهتها، ومنطق التكيّف مع الاختناق بدل كسره.


حلول الأرض لم تنتهِ… لكن الجرأة غابت


الحقيقة التي يجب أن تُقال دون مواربة: هناك العديد من المسارات الواقعية للخروج من الأزمة المالية الفلسطينية، لكنها تحتاج: قرارًا وطنيًا شجاعًا، رؤية استراتيجية طويلة المدى، واستعدادًا لتحمّل كلفة المواجهة السياسية لا ترحيلها للمواطن، وبناء استراتيجية وطنية لاستقلال الموارد الفلسطينية تدريجيًا. إعادة الاعتبار للاقتصاد الفلسطيني الإنتاجي بدل الارتهان للاستهلاك. تقليص التبعية القسرية لمنظومة الاحتلال الاقتصادية. استثمار الموارد المتاحة رغم القيود، لا الاستسلام لها. والأهم: إعادة تحميل الاحتلال تبعات خسائره القانونية والاقتصادية بدل دفعها من جيب المواطن.


إدارة دولة تحت احتلال… لا إدارة أزمة


المطلوب اليوم ليس إدارة أزمة رواتب، ولا تخفيض سقف التوقعات، ولا تعميم خطاب العجز، بل الانتقال إلى منطق: إدارة وطنية لشعب يعيش تحت الاحتلال.

إدارة تُصارح الناس، تُرتّب الأولويات، تحمي الفئات الأضعف، وتبني شراكة مجتمعية لا علاقة جباية. فالصمود لا يُبنى بالضرائب وحدها، بل بالعدالة، والثقة، والإحساس بأن المواطن ليس الحلقة الأسهل للكسر. لا يمكن لشعبٍ تحت الاحتلال، أن يُطالَب بتمويل احتلاله، ولا أن يُحمَّل فوق قهره قهرًا ماليًا دائمًا.

ليست المشكلة أن الأرض جفّت، ولا أن الحلول نفدت، ولا أن الشعب استُنزف بالكامل. المشكلة أن هناك من يريد إدارة واقع بلا أفق، بدل بناء أفق ولو كان صعبًا.

والحقيقة التي يجب أن تبقى حاضرة دائمًا: حلول الأرض لم تنتهِ… لكنها تحتاج من يملك الجرأة، والقرار الوطني، والاستعداد لوقف نقل كلفة الاحتلال إلى المواطن.

دلالات

شارك برأيك

تطبيع الظلم… ولم تنتهِ حلول الأرض

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.