سلطت تقارير صحفية دولية الضوء على المنهجية السلوكية للرئيس دونالد ترامب، معتبرة أن ما يظهر للعلن كأفعال نرجسية أو مطالب شائنة يمثل في جوهره استراتيجية محكمة. وأشار الكاتب توم روجرز في مقال نشرته مجلة 'نيوزويك' إلى أن ترامب يتبع نمطاً ثابتاً يهدف من خلاله إلى انتزاع المكاسب الشخصية في كل قضية يطرحها. هذا السلوك الذي يخالف الأعراف التقليدية ليس مجرد نوبات غضب، بل هو أداة لفرض السيطرة المطلقة على المشهد السياسي الأمريكي.
ويستند هذا التحليل إلى قراءة نقدية لكتاب مرتقب يحمل عنوان 'وصايا ترامب العشر'، من تأليف البروفيسور جيفري سونينفيلد، الأستاذ في جامعة ييل وأحد أبرز خبراء القيادة الإدارية. يقدم الكتاب تشريحاً أكاديمياً دقيقاً للنهج الذي يتبعه ترامب لإخضاع خصومه السياسيين وإعادة تشكيل الرأي العام. ويرى المؤلف أن فهم هذه الآليات السلوكية ضروري لاستيعاب كيفية إدارة ترامب للأزمات والصفقات الكبرى.
وتكتسب رؤية سونينفيلد مصداقية خاصة نظراً للعلاقة الطويلة والفريدة التي جمعته بترامب، والتي بدأت بخصومة إعلامية حادة حول برنامج 'المتدرب'. ورغم الخلافات، أبدى ترامب إعجاباً بذكاء البروفيسور لدرجة أنه عرض عليه سابقاً رئاسة 'جامعة ترامب'، وهو العرض الذي قوبل بالرفض. هذه المسافة القريبة سمحت للمؤلف بمراقبة ترامب عن كثب واستنتاج أن تصرفاته ليست عشوائية بل هي 'آلية منظمة' تُطبق في مختلف السياقات.
ومن بين الاستراتيجيات العشر التي حددها الكتاب، تبرز تكتيكات التفاوض الهجومية التي يتبعها ترامب، والتي يطلق عليها سونينفيلد وصف 'لكمة الوجه'. فخلافاً للدبلوماسية التقليدية التي تسعى لبناء الثقة، يبدأ ترامب أي حوار بموقف صادم أو مطلب متطرف يهدف إلى تحطيم التوازن النفسي للطرف الآخر. هذا الإرهاب الفكري الأولي يجبر الخصم على تقديم تنازلات لم يكن ليفكر بها في الظروف العادية.
وعندما يتراجع ترامب قليلاً عن مطلبه المتطرف الأول، يشعر الطرف المفاوض بنوع من الارتياح أو الانتصار الوهمي، بينما يكون ترامب قد وصل بالفعل إلى هدفه الحقيقي. هذا التكتيك يضمن له تحقيق صفقات ضخمة بشروطه الخاصة، مع إبقاء الخصوم في حالة من الارتباك الدائم. وتعد هذه الطريقة حجر الزاوية في تعاملاته مع القادة السياسيين ورجال الأعمال على حد سواء.
أما الاستراتيجية الثانية فتتعلق بصناعة الوعي العام، وتُعرف باسم 'تأثير النائم' أو التكرار المستمر حتى التصديق. يعتمد ترامب في هذا السياق على إطلاق ادعاءات معينة، حتى وإن كانت تفتقر إلى الصحة، ويقوم بتكرارها بثقة مفرطة ويقين لا يتزعزع. ومع مرور الوقت، تبدأ هذه الأكاذيب في التغلغل داخل الأوساط الإعلامية والجمهور المؤيد له حتى تتحول إلى حقائق غير قابلة للجدل.
هذا النهج يؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاك قدرة الجمهور على التمييز بين الحقيقة والخيال، مما يمنح ترامب سلطة إعادة صياغة الواقع بما يتوافق مع أجندته. ومن خلال السيطرة على السردية الإعلامية، يتمكن من تحييد الحقائق الموضوعية واستبدالها بنسخة من الواقع تخدم مصالحه السياسية المباشرة. ويعد هذا التكتيك من أخطر الأدوات التي يستخدمها للتلاعب بالرأي العام.
ما يبدو في ظاهره جنوناً أو تصرفات عشوائية من ترامب هو في الحقيقة إستراتيجيات مدروسة تهدف لتحقيق مكاسب شخصية وفرض سيطرة مطلقة على المشهد السياسي.
وتأتي 'متلازمة أنا وحدي أستطيع الإصلاح' كاستراتيجية ثالثة لتعزيز صورته كبطل ملحمي يمتلك حلولاً سحرية لا تتوفر لدى غيره. يستخدم ترامب لغة تفضيلية مبالغاً فيها لوصف إنجازاته، محاولاً جعل نفسه المركز الذي يدور حوله كل نجاح وطني. هذه النرجسية المؤسسية تدفعه لمحاولة ربط كل إنجاز عام باسمه الشخصي بشكل مباشر، مما يعزز عقدة التفوق لديه.
ويشير المقال إلى أمثلة واقعية على هذا السلوك، مثل اشتراط ترامب تغيير اسم محطة قطارات بنسلفانيا التاريخية لتصبح باسمه الشخصي مقابل الموافقة على إعادة تمويلها. هذا الميل لـ 'طلاء كل شيء بالذهب' ودمغه باسمه يعكس رغبة عميقة في تخليد إرثه الشخصي على حساب المؤسسات العامة. وهي استراتيجية تهدف إلى دمج الهوية الوطنية بهويته الشخصية في أذهان المواطنين.
ويرى روجرز أن فهم هذه 'الوصايا' هو السبيل الوحيد لفك شفرة ما يبدو للبعض كحالة من الجنون أو عدم الاستقرار النفسي. فترامب في الحقيقة هو 'مهندس فوضى' بارع، يستخدم القواعد النفسية والاجتماعية لفرض سيطرته على الآخرين. إن تصرفاته التي تبدو متهورة هي في الواقع خطوات محسوبة بدقة ضمن شطرنج سياسي يهدف دائماً لتعزيز نفوذه.
إن الكتاب المرتقب لسونينفيلد لا يكتفي برصد المواقف، بل يقدم إطاراً لفهم مستقبل السياسة الأمريكية في ظل وجود ترامب. فإذا كانت هذه السلوكيات استراتيجيات مدروسة، فإن التعامل معها يتطلب أدوات مختلفة تماماً عن الأدوات السياسية التقليدية. ويحذر المحللون من أن تجاهل هذه المنهجية قد يؤدي إلى مزيد من التآكل في الأعراف الديمقراطية والمؤسسية.
كما يتطرق التحليل إلى أن ترامب ينجح دائماً في تحويل الأزمات التي قد تنهي مسيرة أي سياسي آخر إلى فرص لتعزيز شعبيته بين قاعدته الصلبة. فمن خلال تصوير نفسه كضحية لنظام 'فاسد'، يستخدم استراتيجية التكرار لإقناع الملايين بأن الهجوم عليه هو هجوم عليهم. هذا الربط العاطفي يجعل من الصعب على الحقائق القانونية أو المنطقية اختراق جدار الولاء الذي يبنيه.
وفي الختام، يؤكد المقال أن 'منهج الجنون' الذي يتبعه ترامب قد أعاد تعريف مفهوم القيادة السياسية في العصر الحديث. فبدلاً من السعي نحو الإجماع، يزدهر ترامب في بيئة الاستقطاب والنزاع، مستخدماً أدواته النفسية لضمان بقائه في بؤرة الاهتمام. إن قراءة هذا المنهج أصبحت ضرورة ملحة لكل من يسعى لفهم التحولات العميقة في المشهد الدولي.
وتشير المصادر إلى أن هذا النوع من التحليلات الأكاديمية يساهم في كشف الآليات التي تدار بها السياسة في واشنطن حالياً. ومع اقتراب موعد صدور كتاب سونينفيلد، يتوقع المراقبون أن يثير نقاشاً واسعاً حول حدود الشخصية والنرجسية في العمل العام. فما يراه البعض جنوناً، يراه آخرون قمة الدهاء السياسي في عصر 'ما بعد الحقيقة'.





شارك برأيك
تحليل أكاديمي يفك شفرة 'جنون ترامب': استراتيجيات مدروسة للسيطرة والمكاسب الشخصية