عربي ودولي

السّبت 14 فبراير 2026 5:05 مساءً - بتوقيت القدس

صراع النفوذ في القرن الأفريقي: غارات أمريكية واعتراف إسرائيلي يثيران التوترات

تشهد منطقة شرق أفريقيا تحولات دراماتيكية متسارعة، حيث تزامنت حملة القصف الجوي الأمريكية المكثفة في الصومال مع تحركات دبلوماسية إسرائيلية مثيرة للجدل. ومنذ مطلع العام الماضي، نفذت القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) ما يقارب 150 غارة جوية استهدفت مواقع لمسلحين، في واحدة من أعنف العمليات العسكرية التي تشهدها البلاد منذ عقود.

وفي خطوة كسرت الجمود الدبلوماسي المحيط بالمنطقة الانفصالية، أصبحت إسرائيل أول دولة تمنح اعترافاً رسمياً بـ 'أرض الصومال'. هذا القرار أثار موجة من التنديدات الدولية، شملت قوى كبرى مثل الصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا، بالإضافة إلى رفض قاطع من الاتحاد الأفريقي الذي يخشى تشجيع الحركات الانفصالية في القارة.

ويرى مراقبون أن التوجه الإسرائيلي نحو هرجيسا ليس مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل هو جزء من استراتيجية أوسع للسيطرة على الممرات المائية الحيوية. ويشكل الوصول إلى البحر الأحمر وخليج عدن ضرورة أمنية ملحة لتل أبيب، خاصة في ظل التهديدات المستمرة التي يشكلها المتمردون الحوثيون في اليمن والمدعومون من إيران.

وأكد خبراء في السياسة الخارجية أن تعزيز الوجود الإسرائيلي في هذه المنطقة يهدف بشكل مباشر إلى تضييق الخناق على عمليات تهريب الأسلحة المتجهة إلى اليمن. وتعتبر إسرائيل أن تأمين موطئ قدم في القرن الأفريقي سيوفر لها قدرة أكبر على المناورة والردع في مواجهة النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة.

من جانبه، ربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا التقارب بروح 'اتفاقيات إبراهيم'، مشيراً إلى رغبة بلاده في توسيع دائرة التحالفات مع الدول ذات الأغلبية المسلمة. وتأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه إسرائيل لترسيخ شرعيتها الإقليمية عبر بناء شراكات اقتصادية وأمنية بعيدة المدى.

وعلى الصعيد الأمريكي، تبدو واشنطن في موقف دقيق يحاول الموازنة بين دعم حليفتها إسرائيل والحفاظ على مصالحها الأمنية في مقديشو. ورغم تأكيد الولايات المتحدة على حق إسرائيل في ممارسة سيادتها الدبلوماسية، إلا أنها لا تزال ترفض الاعتراف الرسمي بأرض الصومال خشية تقويض جهود مكافحة الإرهاب.

وتخشى الدوائر الأمنية في واشنطن من أن يؤدي الاعتراف بالمنطقة الانفصالية إلى خسارة التنسيق الأمني مع الحكومة المركزية في الصومال. وتعتمد العمليات الأمريكية ضد تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية بشكل كبير على التعاون مع مقديشو، وهو ما يجعل البيت الأبيض حذراً من اتخاذ أي خطوة قد تزعزع هذا التحالف.

تاريخياً، عانى الصومال من عقود من عدم الاستقرار منذ سقوط نظام سياد بري في عام 1991، مما أدى إلى نشوب حرب أهلية طويلة. ورغم تشكيل حكومة اتحادية في عام 2012، إلا أن البلاد لا تزال تكافح لفرض سيطرتها الكاملة على المناطق شبه المستقلة التي نشأت خلال سنوات الفوضى.

وتلعب القوى الإقليمية في الخليج العربي دوراً محورياً في إعادة تشكيل الخارطة السياسية للقرن الأفريقي عبر استثمارات ضخمة. وقد ضخت السعودية والإمارات مبالغ طائلة في مشاريع البنية التحتية، حيث طورت أبوظبي ميناء بربرة الاستراتيجي، مما زاد من حدة التنافس الجيوسياسي في المنطقة.

إلا أن العلاقات بين مقديشو وأبوظبي شهدت توتراً ملحوظاً مؤخراً، أسفر عن إلغاء الصومال لجميع عقوده مع الإمارات بدعوى حماية السيادة الوطنية. ويعكس هذا القرار مدى تعقيد التوازنات بين المصالح الاقتصادية للدول الخليجية والمخاوف السيادية للحكومة الصومالية المركزية.

وفي سياق متصل، دخلت إثيوبيا على خط الأزمة عبر توقيع اتفاقية لبناء قاعدة بحرية على ساحل أرض الصومال مقابل الاعتراف بها كدولة. هذه الخطوة فجرت أزمة دبلوماسية حادة مع مقديشو، لم تهدأ حدتها إلا بعد تدخلات ووساطات إقليمية قادتها تركيا لاحتواء الموقف.

وعلى المستوى الدبلوماسي، زار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر مدينة هرجيسا مؤخراً لتعزيز الروابط الثنائية ومناقشة فرص الاستثمار. ووصف مسؤولون في أرض الصومال هذا التقارب بأنه 'إنجاز تاريخي' يمهد الطريق لانضمامهم الرسمي إلى منظومة اتفاقيات إبراهيم وافتتاح سفارات متبادلة.

ورغم هذا الزخم الدبلوماسي، لا تزال حكومة مقديشو برئاسة حسن شيخ محمود تحاول احتواء الموقف عبر التأكيد على وحدة الأراضي الصومالية. وحذر مسؤولون صوماليون من أن الاعتراف بأرض الصومال يمثل سابقة خطيرة قد تؤدي إلى تفتيت دول أفريقية أخرى تواجه حركات انفصالية مماثلة.

ختاماً، يبقى القرن الأفريقي مرشحاً لمزيد من التصعيد في ظل تضارب مصالح القوى الدولية والإقليمية فوق أراضيه. ومع اقتراب موعد الانتخابات الصومالية، يواجه المجتمع الدولي تحدياً حقيقياً في الحفاظ على استقرار المنطقة ومنع انزلاقها نحو جولة جديدة من الصراعات بالوكالة.

دلالات

شارك برأيك

صراع النفوذ في القرن الأفريقي: غارات أمريكية واعتراف إسرائيلي يثيران التوترات

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.