شكل انقلاب الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 نقطة تحول جوهرية في التاريخ المصري الحديث، حيث أنهى جمال عبد الناصر حكماً ملكياً استمر لقرابة قرن ونصف. لم يقتصر التغيير على هيكل السلطة فحسب، بل امتد ليشمل الهوية الوطنية، حيث نُقلت مصر من فضاء القومية المصرية الفرعونية إلى رحاب القومية العربية الشاملة.
اعتمد النظام الناصري استراتيجية سياسية تقوم على إلغاء التعددية الحزبية والحياة البرلمانية التقليدية، مستعيضاً عنها بتنظيمات شعبية متدرجة بدأت بـ 'هيئة التحرير'. تلا ذلك تأسيس 'الاتحاد القومي' وصولاً إلى 'الاتحاد الاشتراكي'، في محاولة لصهر الجماهير في بوتقة سياسية واحدة تدعم توجهات القيادة الجديدة.
قامت فلسفة الحكم الناصري على أربعة محاور رئيسية، تصدرتها الدعوة إلى الوحدة العربية باعتبار العرب أمة واحدة يجب أن تنبذ التجزئة. وقد تجسد هذا الطموح فعلياً في إعلان الوحدة مع سوريا عام 1958، والتي عُرفت بالجمهورية العربية المتحدة، رغم أنها لم تدم طويلاً وانتهت بالانفصال عام 1961.
تمثل المحور الثاني في الكفاح ضد الاستعمار، حيث نجحت المفاوضات الطويلة في تحقيق جلاء القوات البريطانية عن الأراضي المصرية في يونيو 1956. ولم يكتفِ عبد الناصر بالتحرر الداخلي، بل تحول إلى ظهير استراتيجي لثورات التحرر في الجزائر واليمن الجنوبي وعدة دول أفريقية، مما عزز مكانته كزعيم إقليمي.
على الصعيد الاقتصادي، انتهجت الناصرية مساراً اشتراكياً يهدف إلى تذويب الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال قوانين الإصلاح الزراعي. بدأت هذه الخطوات بتحديد الملكية الزراعية وتوزيع الأراضي على الفلاحين، مما أدى إلى تقليص نفوذ طبقة الإقطاعيين التي هيمنت لعقود على المقدرات المصرية.
اتخذ التحول الاشتراكي منحى راديكالياً عقب تأميم قناة السويس عام 1956، وهو القرار الذي جاء رداً على سحب التمويل الأمريكي للسد العالي. تبع ذلك سلسلة تأميمات كبرى في عام 1961 شملت البنوك وشركات التأمين والمصانع الكبرى، مما جعل القطاع العام هو المحرك الأساسي والوحيد للاقتصاد الوطني.
في سياق المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، بادر عبد الناصر في نهاية عام 1964 إلى الدعوة لقمة عربية انبثقت عنها منظمة التحرير الفلسطينية. كان الهدف من هذا التشكيل، الذي ترأسه أحمد الشقيري واتخذ من القدس مقراً له، إيجاد كيان سياسي وعسكري يمثل الفلسطينيين في المحافل الدولية ويقود نضالهم.
كانت هزيمة 1967 زلزالاً وصدمة هائلة دمرت الثقة بتجربة عبد الناصر، وأذنت بنهاية الناصرية كمنهج سائد في العالم العربي.
أصبحت 'الناصرية' نموذجاً ملهماً للعديد من الأنظمة العربية التي تبنت مزيج القومية والاشتراكية في دول مثل اليمن والجزائر وسوريا والعراق وليبيا. وتحولت زعامة عبد الناصر إلى حقيقة قائمة حركت مشاعر الجماهير من المحيط إلى الخليج، واعتُبرت تجربته في مصر معياراً للنهضة العربية المنشودة آنذاك.
إلا أن هذا المشروع القومي واجه اختباراً مصيرياً في الخامس من يونيو عام 1967، حين اندلعت الحرب مع إسرائيل وأسفرت عن هزيمة عسكرية قاسية. أدت 'النكسة' إلى احتلال سيناء والجولان والضفة الغربية، وشكلت صدمة نفسية وسياسية عميقة هزت أركان الثقة في النظام الناصري وقدراته العسكرية.
كشفت التقارير العسكرية اللاحقة، ومنها تقرير اللواء عبد المحسن مرتجى، عن ثغرات عميقة في بنية الجيش المصري تتعلق بالتدريب والانضباط والمناقبية. وأشارت تلك الوثائق إلى تفشي ظاهرة الشللية حول مراكز القوى، مما أثر سلباً على سير العمليات القتالية والجاهزية الدفاعية للقوات المسلحة.
من جانبه، أظهر تقرير المخابرات الذي قدمه أحمد فاضل قصوراً حاداً في جمع المعلومات الدقيقة عن العدو ومتابعة تحركاته الميدانية. كما لفت التقرير إلى اختراقات أمنية واسعة مكنت الاحتلال من الوصول إلى معلومات حساسة، مما سهل تدمير القدرات الجوية والعسكرية في الساعات الأولى للحرب.
يرى محللون أن أحد الأسباب الجوهرية للهزيمة يكمن في تغليب الأيديولوجيا القومية والاشتراكية الماركسية على حساب المكونات الثقافية والدينية للأمة. فقد أدى تهميش الدور الديني، باعتباره عامل تأخر في نظر البعض، إلى خلخلة البناء النفسي للجندي والضابط، مما أفقد المقاتل فاعليته وتماسكه في لحظات الحسم.
انعكست هذه الخلخلة الأيديولوجية على كافة مفاصل المجتمع المصري والعربي، حيث انتقل الاضطراب من المؤسسة العسكرية إلى المعلم والعامل والتاجر. وأصبحت الهزيمة النكراء، التي لم تعرف الأمة مثيلاً لها في تاريخها المعاصر، إيذاناً ببدء تراجع المد الناصري وانحسار جاذبيته كشعار جامع للجماهير.
في الختام، تظل التجربة الناصرية محطة مثيرة للجدل في مسار النهضة العربية، بين من يراها محاولة جادة للتحرر والبناء، ومن يعتبرها مغامرة أيديولوجية انتهت بكارثة. وبغض النظر عن التقييم، فإن زلزال 1967 يبقى العلامة الفارقة التي أعادت صياغة الأولويات السياسية في المنطقة العربية لعقود تلت.





شارك برأيك
تعثر النهضة العربية: قراءة في مآلات التجربة الناصرية وتحولاتها الأيديولوجية