تشهد الجغرافيا السورية هذه الأيام تحولاً مناخياً ومائياً لافتاً، حيث يرى مراقبون أن هذا الفيض الرباني يتزامن مع مرحلة جديدة تحاول فيها البلاد تنفس نسائم الحرية. إن استعادة الموارد المائية لعافيتها ليست مجرد مصادفة جوية، بل هي ثمرة مرتبطة باستقامة النظم ورعاية الحقوق.
لخص أحد الحكماء قديماً فلسفة الحكم والرخاء بتشبيه الدولة بالشجرة التي يمثل ظلها النعم الوفيرة. فإذا ما سقاها القائمون عليها بماء العدل، طال ظلها واستراح الناس في كنفها، أما إذا جفت جذورها بفعل الظلم، فإن الظل يتقلص ويرحل عن الجميع.
عانت سوريا على مدار عقود مضت من يباس لم يقتصر على السماء فحسب، بل امتد ليشمل القلوب والعدالة الاجتماعية. وكانت الأراضي المتشققة والبيوت المهجورة بمثابة صرخة صامتة تعبر عن حجم الفساد الذي استنزف مقدرات البلاد وحال بينها وبين البركة.
سجل نبع عين الفيجة بدمشق ارتفاعاً ملحوظاً في منسوبه، في إشارة رمزية ومادية إلى انتهاء زمن الانحباس الذي عانى منه السوريون. هذا التدفق يعكس حالة من التفاؤل الشعبي بأن القادم يحمل في طياته وفرة تتجاوز حدود المياه لتشمل كافة مناحي الحياة.
في طرطوس، أعلنت مصادر فنية عن امتلاء سد دريكيش بنحو ستة ملايين متر مكعب من المياه، وهو رقم يعكس حجم العطاء المائي لهذا الموسم. هذا الامتلاء يضع المسؤولين أمام مسؤولية كبيرة للحفاظ على هذه الثروة وتوظيفها في خدمة التنمية المستدامة.
عادت الروح مجدداً إلى نهر عفرين وريف حلب الشمالي، حيث تدفقت المياه لتروي عطش الأرض التي عانت طويلاً. إن عودة الجريان في هذه المناطق الحيوية تمثل شريان حياة جديد للمزارعين والسكان الذين انتظروا طويلاً هذه اللحظات.
يربط الموروث الثقافي والديني في دمشق ومدن سوريا بين السلوك المجتمعي وفيض الأنهار مثل نهر بردى. فالاستقامة الشاملة في المعاملات والابتعاد عن المظالم تعد في الوجدان الشعبي مفاتيح أساسية لاستنزال القطر من السماء.
إنّ إقامة موازين القسط في الأرض هي الغيث الحقيقي الذي يسبق غيث السماء، والعدل هو المسقى الذي يديم ظل الدولة.
تؤكد النصوص الدينية والسنن الكونية أن منع الزكاة وانتشار الرشوة وسموم المخدرات كانت حواجز مادية ومعنوية حالت دون تدفق الخيرات. واليوم، مع محاولات التطهير والإصلاح، يبدو أن هذه الحواجز بدأت تتلاشى تدريجياً أمام إرادة التغيير.
يبرز التساؤل حول سر نماء الدول التي قد لا تدين بالإسلام، والجواب يكمن في فقه السنن التي تؤكد أن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة. فالعدل هو القانون الكوني الذي يحكم توزيع الأرزاق واستقرار المجتمعات البشرية بغض النظر عن معتقداتها.
في إدلب، تتدفق المياه بغزارة في نهر العاصي وشلالات عين الزرقاء، لترسل رسائل سماوية مفادها أن الإنصاف هو المسقى الحقيقي. هذه المشاهد الطبيعية الخلابة تعيد تذكير الجميع بأن الحفاظ على النعمة يتطلب صيانة دائمة لمنظومة القيم.
إن الواجب الملقى على عاتق السوريين اليوم يتجاوز الشكر اللفظي إلى ضرورة تجسيد الحمد في شكل إصلاح مادي شامل. يتطلب ذلك ترميم السدود المتهالكة وتطهير البحيرات التي عانت من الإهمال لسنوات طويلة لضمان استمرارية هذه الموارد.
يجب أن يوازي إصلاح النفس من المعاصي والآثام إصلاح حقيقي للأرض من الهدر وسوء الإدارة. فالإعمار المادي للمنشآت المائية وحماية المحميات الطبيعية هو الوجه الآخر للتقوى المعنوية التي ينشدها المجتمع في مرحلته الانتقالية.
ترشيد استخدام المياه وحمايتها من التلوث يعد جزءاً أصيلاً من شكر النعمة لضمان ديمومتها للأجيال القادمة. إن الإدارة الرشيدة للموارد هي الاختبار الحقيقي لمدى جدية التوجه نحو بناء دولة المؤسسات والعدالة الناجزة.
بعد عقود من القحط، تبدو رسالة الأرض السورية واضحة بأن الفرج يأتي دائماً بعد الصبر الطويل. إن حفظ هذه النعم يتطلب يقظة دائمة وعدلاً في الرعية ورشاداً في الإدارة، لكي لا تزول النعم بفعل الذنوب والمظالم.





شارك برأيك
عدالة الأرض واستسقاء السماء: قراءة في فيض الينابيع السورية وتحولات المشهد