لم يتعرض شعب في التاريخ للمؤامرات والخذلان مثلما تعرض له الأكراد في منطقتنا، ويعود ذلك لعاملين رئيسيين: وحدة وتماسك الهوية الكردية، والتواجد في منطقة جغرافية واسعة وغنية بالنفط تمتد بين تركيا والعراق وسوريا وإيران. هذه المقومات نُظر إليها من قبل العواصم الأربع كخطر يهدد كياناتها، مما أدى لاتفاقات تاريخية تمنع نشوء دولة كردية مستقلة.
تضرب جذور الأكراد في التاريخ إلى الألف الثالثة قبل الميلاد، وقد وصفهم المؤرخون اليونانيون كشعب جبلي محارب. ومع دخول الإسلام، برز دورهم الثقافي والعسكري، حيث قدموا علماء ومفكرين وقادة عظام، على رأسهم الناصر صلاح الدين الأيوبي الذي وحّد المسلمين واستعاد القدس، مشكلين سداً منيعاً في الثغور الإسلامية.
شهدت الحقبة العثمانية والصفوية محاولات مستمرة لإضعاف الإمارات الكردية، بدءاً من معركة جالديران 1514 وصولاً إلى تقسيم كردستان عام 1555. ومع نشوء الدول الحديثة، تكررت الوعود المنقوضة، حيث تنصل مصطفى كمال أتاتورك من وعود الحكم الذاتي بعد معاهدة سيفر، واستخدم العنف لسحق الانتفاضات الكردية في عشرينيات القرن الماضي.
إن الدول الكبرى تتعامل في نهاية المطاف مع الدول، وليس مع المليشيات والقوات غير النظامية مهما كانت أهميتها.
في العراق، تذبذبت العلاقة بين الثورات الكردية والأنظمة المتعاقبة، وشهدت خذلاناً دولياً متكرراً، كان أبرزه بعد اتفاقية الجزائر 1975، وفشل استفتاء الانفصال عام 2017 رغم التأييد الشعبي الواسع. أما في سوريا، فقد عانى الأكراد من سياسات التهميش وتجريد الجنسية في إحصاء 1962، وصولاً إلى صدام القامشلي عام 2004 الذي كشف عن عمق المظلومية التاريخية.
شكلت الثورة السورية عام 2011 فرصة تاريخية للأكراد، حيث سيطرت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) على مناطق واسعة بدعم أمريكي. ومع سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، واجه الأكراد واقعاً جديداً مع محاولة الرئيس أحمد الشرع توحيد السلاح، حيث تخلت واشنطن عن دعمها العسكري لهم لصالح الدولة السورية الجديدة.
اليوم، يضع المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 الأكراد أمام مرحلة جديدة، حيث اعترف بهم كجزء أصيل من الشعب السوري وأقر باللغة الكردية لغة وطنية. هذا التحول يفتح الباب أمام الانتقال من العمل المسلح إلى الانخراط السياسي الكامل، لبناء كتلة وطنية قادرة على التأثير في مستقبل سوريا الموحدة والمتعددة.





شارك برأيك
الأكراد ودروس التاريخ: من مأزق الجغرافيا إلى رهانات السياسة في سوريا الجديدة