في قراءة تحليلية تجمع بين فضيحة جيفري إبستين وما تسميه “البنية الأخلاقية” للنخب الغربية، اعتبرت الكاتبة سمية الغنوشي أن الوثائق المتعلقة بالقضية لا تبدو “فضيحة” بالمعنى الإعلامي التقليدي، بقدر ما تكشف عن سجل قانوني موثق يحوّل انتهاك القاصرين إلى “إجراءات” وملفات وتسويات تدار داخل منظومة نفوذ تتجاوز حدود المساءلة. وفي مقال نشرته الغنوشي، ربطت بين ما تصفه بـ”الوحشية المنظمة” التي مارستها هذه النخب في حروب وعقوبات خارجية، وبين قدرتها على ممارسة العنف والاستغلال في الداخل أيضاً.
وترى الغنوشي أن “ملفات إبستين” تكشف منظومة لا تتعامل مع الاعتداء كخرق طارئ، بل كعملية “مُدارة” جرى فيها استغلال هشاشة الفتيات وفقرهن، بينما تولى المحامون تقييم المخاطر وأدارت المؤسسات سمعتها. وتستحضر الكاتبة شهادات لناجيات مثل فيرجينيا جوفري وماريا فارمر، مؤكدة أن هذه الشهادات توصيفات إجرائية لكيفية تعامل السلطة مع من لا يملك القوة، مشيرة إلى أن النخب التي اعتادت ممارسة القتل في الخارج لا يمكن توقع التزامها بحدود أخلاقية في الداخل.
ويربط المقال بين هذه القضية وسجل حافل من العنف الخارجي، بدءاً من العراق حيث أدت العقوبات والحروب لوفاة مئات الآلاف من الأطفال، وصولاً إلى فضيحة سجن أبو غريب. وترى الغنوشي أن هذا العنف جرى تقديمه دائماً بوصفه استثناءً يقع في أماكن بعيدة وعلى أجساد “سجناء بلا أسماء”، بينما الحقيقة هي وجود نخبة مستعدة لممارسة التعذيب والقتل في الخارج والوحشية ضد من تعتبرهم أدنى شأناً في الداخل.
غزة لم تكن انحرافا عن قيم هذه النخبة، بل ذروتها، وملفات إبستين تكشف الوجه الخاص لهذا النظام، فيما تكشف غزة وجهه العام.
وعن العدوان الحالي، تقول الغنوشي إن تدمير غزة ليس شذوذاً أخلاقياً، بل ينتمي للبنية ذاتها التي صنعت إبستين، والقائمة على تسلسل هرمي لقيمة الإنسان. وتقارن بين أطفال استُغلوا في جزيرة خاصة وأطفال دُفنوا تحت الركام في غزة، معتبرة أن منطق الاستحقاق والإفلات من العقاب هو ذاته، حيث يهيمن على هذه المنظومة أوليغارشيو التكنولوجيا والممولون وتجار الحروب الذين يحققون الأرباح من الدمار.
ويتوقف المقال عند تقاطع عالم إبستين مع التكنولوجيا العسكرية، مشيراً إلى لقاءات إيهود باراك، رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي الأسبق، المتكررة مع إبستين ونصيحة الأخير له بالاهتمام بشركة "Palantir". وتصف الغنوشي الشركة بأنها نموذج لخدمة دول المراقبة، حيث وقعت اتفاقاً استراتيجياً مع وزارة الدفاع الإسرائيلية في يناير 2024 لدعم العمليات العسكرية عبر منصات الذكاء الاصطناعي التي تحول العنف إلى “سير عمل” رقمي.
وتخلص الغنوشي إلى أن التوافق بين التكنولوجيا والحرب بات أيديولوجياً، حيث يصور قادة هذه الشركات دعم الاحتلال كـ”واجب حضاري”. وتستشهد بعبارة “القوة تصنع الحق” المنسوبة لستيفن ميلر، مستشار الأمن القومي للرئيس دونالد ترامب، كقاعدة حاكمة. وتختم بأن غزة وإبستين يزيحان الأوهام حول نخبة تلتهم الضعفاء بصمت في الداخل وتدمرهم علناً في الخارج، مؤكدة أن ما يجري هو النتيجة المنطقية لقيم هذه المنظومة.





شارك برأيك
بين فضيحة إبستين وركام غزة: سمية الغنوشي تفكك 'البنية الأخلاقية' للنخبة الغربية