انشغل العالم خلال الأيام الفائتة بواجهة من واجهات منظومة فساد عميقة في الولايات المتحدة، والمتشابكة مع منظومات أخرى حول العالم في كثير من المجالات. تمثلت في شخص يدعى أبستين، الذي صار الاسم الأول في العالم المقترن بفساد واسع عميق وخبيث، رغم وجود من هو أفسد وأخبث منه. وقيل إنه انتحر في سجنه بعد اعتقاله رغم كثير شكوك في الرواية، والأرجح أنه تمت تصفيته ليختفي مع أسراره، فهكذا هي قواعد منظومات الفساد حين ينكشف عضو منها، أو أحد واجهاتها، حيث يعد البتر والتصفية أنجع الوسائل لوقف مزيد من الانكشاف.
إن الفساد بشكل عام ليس مجرد سلوكيات فردية أو حالات معزولة، بل هو منظومة متكاملة ومعقدة، خاصة حين تتشابك فيها المصالح وتترابط الأدوات والآليات التي تعمل على حمايته واستمراره. ومن الطبيعي أن تستخدم هذه المنظومات طرقاً متعددة وأساليب خفية لضمان بقائها، بدءاً من استغلال النفوذ بطرق احتيالية، ومروراً بالابتزاز، وانتهاءً بعمليات التصفية والتحييد. فالفساد في جوهره هو إساءة استخدام السلطة أو الوظيفة العامة لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة، سواء كان الفاسد فرداً أو شبكة من الأفراد.
ولا يمكن للفساد أن ينتشر إلا في بيئة مناسبة، حيث يحتمي الفاسدون المتنفذون بأنظمة وقوانين وقضاة، ويسعون دائماً لإيجاد درع من أصحاب القرار والصلاحيات. وقصة الأمريكي أبستين وجرائمه المتنوعة نموذج صارخ على ذلك؛ فقد كان يفسد لسنوات طويلة تحت حماية قوانين ومرتشين من جميع الدرجات، من رجال أعمال ونواب ووزراء، حيث كان الجميع يستفيد من موقعه ووظيفته في هذه المنظومة بعيداً عن الأعين.
الفساد لا يكبر ولا ينتشر إلا حين يجد البيئة المناسبة، حيث ينتشر الفاسدون المتنفذون تحميهم أنظمة وقوانين وقضاة ومحامون.
وبالعودة إلى التاريخ، نجد في قصص القرآن عبرة، ومن أشهرها قصة قارون الذي كان من قوم موسى لكنه عمل ضمن فريق فرعون. وتؤكد السياقات التاريخية أن قارون ما كان ليتعمق في فساده لولا دعم منظومة فرعون الاستبدادية التي استغلت ثروته لتكريس البغي. كان المشترك بينهما هو المصالح المالية والنفوذ ضد بني إسرائيل، حيث وفر فرعون الحماية لقارون مقابل استغلال ثروته في تنفيذ سياساته وتثبيت أركان حكمه، وهو مشهد يتكرر في كل زمان بآليات مختلفة.
لابد للفاسد من درع صلب يحميه ليحقق أهداف المنظومة بالكامل. وقد أثبتت التجارب التاريخية أن الفساد يقوى حين يكون صاحب الكلمة الأولى في النظام الحاكم هو الدرع الحامي، سواء عبر أوامر مباشرة أو مؤسسات فاسدة ذات نفوذ. ومع ذلك، فإن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، والباطل مهما علا فهو زاهق؛ فقارون الذي لم يكن له مثيل في الثروة والنفوذ، انتهى به الحال بأن خسف الله به وبداره الأرض، لتكون نهايته عبرة لكل مفسد.
إن نهاية كل منظومة فساد محتومة مهما طال الزمن، لأن السنن الكونية تؤكد أن الله لا يصلح عمل المفسدين، وأن الانكشاف والزوال هما المصير النهائي لكل من طغى وتجبر واستغل نفوذه في الإفساد في الأرض.





شارك برأيك
ما بين قارون وأبستين: تحالف المال والسلطة في منظومات الفساد