فلسطين

الجمعة 23 يناير 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس

التغول الاستيطاني... سياسة ممنهجة لفرض وقائع جديدة وتمرير الضم

نظمي السلمان: الاحتلال يستمر في تكريس واقع استيطاني غير مسبوق ضمن سياسات استراتيجية ممنهجة لفرض حقائق جديدة على الأرض وتغيير وجه الضفة الغربية

محمد أبو علان دراغمة: الإدارة الأمريكية بالرغم من عدم موافقتها الرسمية لا تعارض الضم وذلك من خلال غض الطرف عن التوسع الاستيطاني غير المحدود في الضفة

أنس أبو عرقوب: إسرائيل تعتمد على استراتيجية "الأحزمة الاستيطانية" التي تهدف لإنشاء شبكة مستوطنات مترابطة حول المدن والقرى الفلسطينية لعزلها عن محيطها

مازن الجعبري: المنطقة "ج" تشكّل نحو 60% من مساحة الضفة وإذا فُرّغت من إمكانات الحياة والسيادة فلن يبقى من فكرة الدولة سوى عنوان سياسي فوق جزر سكانية معزولة

أمير مخول: اليمين الإسرائيلي يمر اليوم بمرحلة صعبة وحرجة وسيسعى لتعزيز سيطرته جغرافياً لكنه عاجز عن تعزيزها ديموغرافياً إذ إن ميزان الهجرة للمستوطنات ليس إيجابياً

ضمن سياسات ممنهجة لفرض وقائع جديدة على الأرض لتغيير الواقعين الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية، يقوم الاحتلال بتكريس واقع استيطاني غير مسبوق في الأراضي الفلسطينية المحتلة للسيطرة عليها، من خلال قرارات صادرة عن مؤسسات الاحتلال hgمختلفة  كالجيش وما تسمى "الإدارة المدنية" وحماية الطبيعة، بالتزامن مع عنف المستوطنين، وما بات يُعرف بالاستيطان الرعوي الذي يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي في عموم الضفة، وأخذ يشكل نقاطاً لانطلاق عنف المستوطنين وإرهابهم المنظم.

ويحذر كُتاب ومختصون في أحاديث لـ"ے" من أن الحقائق على الأرض تشير إلى ارتفاع وتيرة عدوان الاحتلال ومستوطنيه بشكل غير مسبوق، وهو ما تقوم به جماعات منظمة من المستوطنين مدربة على ممارسة كافة أشكال العنف ضد المواطنين من اعتداءات جسدية وإطلاق النار وحرق المركبات والممتلكات وسرقة مصادر الرزق وحرمان المواطنين من ينابيع المياه وتهجيرهم عن أراضيهم، لافتين إلى أن موضوع التغول الاستيطاني في الضفة الغربية لم يعد يقتصر على مناطق "ج"، بل بات يمتد إلى مناطق "ب‪"، ويحاول الوصول حتى إلى مناطق "أ"، من خلال فرض سيطرة إسرائيلية على بعض المواقع بذريعة أنها مواقع أثرية وتاريخية ودينية، كما هي الحال في قبر يوسف في نابلس.



 ارتفاع وتيرة العدوان والاستيطان بشكل غير مسبوق


يقول المختص بشؤون الاستيطان نظمي السلمان: إن الاحتلال الإسرائيلي يستمر في تكريس واقع استيطاني غير مسبوق على الأراضي الفلسطينية المحتلة في عموم محافظات الضفة الغربية، من مسافر يطا في جنوب الخليل، مروراً برام الله ونابلس والأغوار الشمالية والوسطى وشمال الضفة، وتحديداً في جنين، مشيراً إلى عدة سياسات استراتيجية ممنهجة لدى الاحتلال لفرض حقائق جديدة على الأرض وتغيير وجه الضفة الغربية.

وأوضح السلمان أن الاحتلال يستهدف السيطرة على الأراضي الفلسطينية من خلال قرارات صادرة عن دوائر مختلفة تتبع الاحتلال كالجيش وما تسمى "الإدارة المدنية" وحماية الطبيعة، بالتزامن مع عنف المستوطنين، وهو ما بات يُعرف باسم الاستيطان الرعوي الذي يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي في عموم الضفة الغربية، لافتاً إلى أن البؤر الاستيطانية الرعوية أخذت تشكل نقاطاً لانطلاق عنف وإرهاب المستوطنين المنظم تجاه أبناء الشعب الفلسطيني.

وأكد السلمان أن الحقائق على الأرض وحجم الاعتداءات تشير إلى ارتفاع وتيرة العدوان على أبناء شعبنا بشكل غير مسبوق، وهو ما تقوم به جماعات منظمة من المستوطنين مدربة على ممارسة كافة أشكال العنف ضد المواطنين من اعتداءات جسدية وإطلاق النار وحرق المركبات والممتلكات وسرقة مصادر الرزق وحرمان المواطنين الفلسطينيين من ينابيع المياه وتهجيرهم عن أراضيهم.

وأوضح أنه "أمام هذا العنف والإرهاب المنظم، حسب ما تشير إليه الوقائع، يتم برضا وحماية جيش الاحتلال، فقد أُجبرت العشرات من التجمعات البدوية الفىسطينية على ترك منازلها والهجرة القسرية"، مشدداً على أن هذا الإرهاب والهجمة الشرسة على المواطنين يتزامن مع العديد من القرارات الصادرة عن دوائر الاحتلال المختلفة، في سياسة تقاسم للأدوار لتحقيق الهدف الأساس، وهو تهحير المواطن الفلسطيني عن أرضه وضم الأراضي، وذلك عبر قرارات تؤسس لما هو قادم، ومن أبرزها السماح للمستوطنين بشراء أراضٍ من الضفة الغربية بشكل مباشر وتخصيص مساحات واسعة لصالح البؤر الرعوية، وتخصيص موازنات طائلة لصالح مشاريع بناء مستوطنات جديدة وتطوير مستوطنات قائمة وشرعنة بؤر رعوية وإقرار مخططات هيكلية.

وأكد السلمان أن كل هذه الاجراءات أدت إلى خلق بيئة طاردة، وأجبرت العديد من التجمعات البدوية على الرحيل بضغط متواصل من عنف المستوطنين.

وقال: في استمرار واضح لسياسة الاحتلال بالتوسع وضم الأراضي الفلسطينية يأتي قرار الاحتلال أولاً بعودة المستوطنين إلى مستوطناتٍ أُخليت في عام ٢٠٠٥، خاصة في شمال الضفة، وطرح عطاءات لبناء آلاف الوحدات السكنية، ومصادقة الاحتلال على إقامة ١٩ مستوطنة جديدة.

ويرى السلمان أن هذه الإجراءات تغيّر وجه الضفة الغربية، وتعيد صياغة الجغرافيا الفلسطينية، حيث طرحت عطاءات بناء وحدات سكنية في محيط القدس فيما يعرف بـE1، وأعلن مشروعاً استيطانياً آخر يفصل محافظتي قلقيلية وسلفيت، ويظهر البلدات والقرى الفلسطينية على شكل جيوب معزولة، فيما تجري تغييرات على الأرض لصالح المستوطنين، مثل: شق الطرق، وإقامة جسور وخدمات الصرف الصحي، وأبراج الاتصالات والمراقبة لخدمة المشروع الاستيطاني.

وأضاف: إن هذه الإجراءات هي خدمة مشروع الاحتلال الذي يفاخر به وزير المالية في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريش، الذي يهدف إلى دفن فكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة متواصلة جعرافياً، ويقضي على الحلم الفلسطيني بالحرية والاستقلال وفرض السيادة.

ولفت السلمان إلى أنه "أمام هذا التغول الاستيطاني غير المسبوق الذي التهم مساحات واسعة من الاراضي المصنفة "ج"، والآن انتقل إلى أطراف البلدات والقرى الفلسطينية في المناطق المصنفة "ب"، فإن المواطن الفلسطيني يقف أعزل مسالماً في وجه هذا المشروع الاحتلالي التهجيري، وأنه لا بد من دعم وتعزيز صمود المواطنين من خلال إجراءات عملية على الأرض يلمسها المواطن، خاصة حراس الأرض الذين يقيمون في عزب وتجمعات، وبمقومات حياة بسيطة"، مضيفاً أنه لا بد من توحيد وتكامل الجهدين الرسمي والشعبي لدعم صمود المواطنين، وإفشال مشروع الضم والتهجير، ولا بد من إعادة الحياة للجهد الشعبي، ووضع برامج وخطط لمشاركة المواطنين همومهم، ومحاكاة تجارب سابقة حققت نجاحات، وفضح سياسات الاحتلال على الصعيد الدولي من خلال التشبيك مع العديد من المنظمات الدولية والهيئات الحقوقية.



التغول الاستيطاني لم يعد يقتصر على مناطق "ج"


ويرى المختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن "موضوع التغول الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية لم يعد يقتصر على مناطق "ج"، بل بات يمتد إلى مناطق "ب" بل ويحاول الوصول حتى إلى مناطق "أ"، من خلال فرض سيطرة إسرائيلية على بعض المواقع بذريعة أنها مواقع أثرية وتاريخية ودينية، كما هي الحال في قبر يوسف.

وأكد أنه يجري منذ فترة السماح للمستوطنين باقتحام مدينة نابلس، حتى في وضح النهار، لأداء طقوسهم التوراتية، وهو ما يؤكد أن ذلك يندرج في إطار سياسة تغوّل ممنهجة، يمكن وضعها ضمن ثلاثة سياقات رئيسية.

ويرى دراغمة أن السياق الأول يتمثل في السعي إلى القضاء بشكل مطلق على حل الدولتين، وهو ما يجري تطبيقه فعليا على الأرض. مشيراً إلى تصريحات سموتريتش، الذي قال إن حلم حياته هو إنهاء فكرة حل الدولتين، مؤكدًا أنه "لن تكون هناك دولة بين البحر والنهر، بل دولة إسرائيل فقط"، بحسب تعبيره.

أما السياق الثاني، فيكمن في فرض وقائع جديدة على الأرض، بما يسهل عملية الضم الرسمي لاحقًا. فالممارسات الجارية حالياً تمثل ضماً فعلياً، وما يؤخر الإعلان الرسمي عنه هو عدم الحصول على الموافقة الأمريكية الصريحة.

وأوضح دراغمة أن الإدارة الأمريكية، رغم عدم موافقتها الرسمية، لا تعارض الضم الفعلي، من خلال غض الطرف عن التوسع الاستيطاني غير المحدود في الضفة الغربية، وهو ما ينسجم بوضوح مع سياسة سموتريتش، الذي يدعو إلى ضم نحو 82% من مساحة الضفة الغربية، وترك 18% على شكل كانتونات للفلسطينيين، من دون أن تشكل كيانا أو تجمعا وطنيا فلسطينيا حقيقيا.

أما السياق الثالث، وفق دراغمة، فيتعلق بفرض حدود جديدة داخل الضفة الغربية، مشيراً إلى أن من أبرز الأدلة على ذلك الجدار الشرقي لمحافظة طوباس والأغوار الشمالية، الذي يمتد من منطقة عين شبلي وصولًا إلى حاجز تياسير بطول نحو 22 كيلومترًا. ويأتي هذا الجدار ضمن مشروع أوسع ينفذه الاحتلال لعزل محافظة طوباس عن منطقة الأغوار بشكل كامل.

وأوضح أن ما يؤخر عملية الضم هو موافقة أمريكا التي لا تعارض الضم الفعلي في الضفة الغربية، لافتاً إلى أن الجدار الفاصل الجاري تنفيذه من عين شبلي إلى حاجز تياسير، بطول 22 كيلومترًا، ويوازيه شارع يمتد على طول المنطقة، يشكل جزءاً من جدار أكبر لا تزال مرحلتان منه غير معلن عنهما من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وبيّن أبو علان دراغمة أن هذا الجدار يهدف إلى فرض حدود جديدة لمحافظة طوباس، من خلال فصل التجمعات الحضرية عن الأراضي الزراعية في الأغوار، ما يعني عزل مئات آلاف الدونمات خلف الجدار. وعند اكتماله، ستصبح المحافظة محاطة بجدار من الجهة الشرقية، وهو ما يشكل عملياً حدودها النهائية، رغم اعتمادها الأساسي على الزراعة في منطقة الأغوار التي يحاصرها جيش الاحتلال.

وأشار أبو علان إلى أنه بعد الحرب على قطاع غزة، وخلال العامين الماضيين، تم تهجير نحو 33 تجمعاً رعوياً تهجيراً كاملًا، إضافة إلى تهجير جزئي لنحو 12 تجمعًا رعوياً، في المنطقة الممتدة من الأغوار الشمالية حتى جنوب جبل الخليل، موضحاً أن هذا التهجير يتم عبر الأذرع المدنية لدولة الاحتلال، أي المستوطنين، الذين ينفذون مخططات السيطرة على الأراضي والاعتداء على الفلسطينيين، تحت رعاية وحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وأضاف دراغمة: إن هذه الاعتداءات باتت تطول مختلف محافظات الضفة الغربية، وليس فقط المناطق المصنفة ج، بل امتدت أيضاً إلى مناطق ب، مع استمرار النهج نفسه واقتراب المستوطنين من مراكز المدن، إذا ما استمرت وتيرة الاعتداءات على حالها.


سبل مواجهة الاستيطان وسياسة الاحتلال


وحول سبل المواجهة، قال دراغمة: إن الفلسطينيين لم تعد لديهم أدوات فاعلة لوقف اعتداءات المستوطنين، في ظل الحاجة الماسة إلى توحيد الصف السياسي الفلسطيني، ووضع برنامج وطني لمواجهة الاستيطان وسياسات الاحتلال.

وأكد دراغمة أن استمرار حالة الانقسام، وتقسيم الواقع الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى المشاريع المطروحة لغزة على غرار ما بعرف بمجلس السلام ، يسهم في تعميق الانقسام القائم. مشددا على أن الحل يظل مرهونا بتحرك دولي وعربي جاد لوقف سياسات دولة الاحتلال الإسرائيلي.



التركيز على الحسم في المناطق الصحراوية


بدوره، قال الصحفي والباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي أنس أبو عرقوب: "تشير القراءة الميدانية إلى أن المرحلة الحالية من المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية تركز على الحسم في المناطق الصحراوية، لا سيما الأغوار والمناطق الريفية".

وأكد أنه لم يعد الاستيطان زاحفًا تدريجيًا، بل يتقدم بوتيرة سريعة تتجاوز توقعات قادة المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.  مضيفا انه في هذه المناطق، يرافق التوسع تهجير البدو لضمان السيطرة الحصرية للمستوطنين وحرمان السكان المحليين من المراعي، بينما تتواصل جهود فرض النفوذ ونزع ملكية الأراضي الزراعية في المناطق الجبلية بالأرياف.

وأشار أبو عرقوب إلى أن إسرائيل تعتمد في هذا الإطار على استراتيجية "الأحزمة الاستيطانية"، التي تهدف إلى إنشاء شبكة مستوطنات مترابطة حول المدن والقرى الفلسطينية لعزلها عن محيطها الطبيعي، وإيقاف توسعها العمراني، وفرض السيطرة الديموغرافية والجغرافية.

ولفت إلى أن المستوطنات المترابطة داخليًا ومع مستوطنات داخل الخط الأخضر تحوّل الأراضي المحيطة إلى امتداد مستوطنات متصل، ما يجعل المدن الفلسطينية جزرًا محاصرة محدودة النمو والتنمية، ضمن خطة طويلة المدى لإعادة تشكيل الخرائط السكانية والجغرافية بما يخدم الوجود الإسرائيلي.


استراتيجية الجيوب الاستيطانية المعزولة


وأضاف أبو عرقوب أنه إلى جانب ذلك، تتبنى إسرائيل "استراتيجية الجيوب الاستيطانية المعزولة"، القائمة على توسيع المستوطنات الحالية وإنشاء تجمعات منفصلة جغرافيًا، مدعومة بشبكة طرق التفافية ونقاط تفتيش ومناطق صناعية، عبر مصادرة أراضٍ فلسطينية خاصة وإعلانها "أراضي دولة"، موضحاً أن هذا النهج يؤدي إلى تمزيق الفضاء الجغرافي الفلسطيني وتقويض التواصل بين القرى والأراضي الزراعية، ويرافقه تدمير أراضٍ زراعية فُلحّت لعقود طويلة وتحويلها إلى مشاريع استيطانية تحت حماية الجيش والشرطة، ما يعكس هدف السيطرة المنهجية على الأرض وتجزئتها وفرض وقائع استعمارية جديدة تُقصي الفلسطينيين عن أراضيهم.

وحذر أبو عرقوب من أنه تترتب على هذه السياسات تداعيات مباشرة على المجتمع الفلسطيني، تشمل إضعاف القطاع الزراعي، وعرقلة الوصول إلى الأراضي، وتشويه البيئة والموارد المائية، وخلق عزلة جغرافية واجتماعية متزايدة بين التجمعات السكانية، لافتاً إلى أن الخبراء يؤكدون أن تعميم هذا النموذج في مناطق أخرى، خصوصًا في الخليل، سيزيد من التجزئة ويقوّض فرص التنمية المستدامة.

وأكد أبو عرقوب أن المشروع الاستيطاني، سواء بوصفه خطة حكومية إسرائيلية أو سلسلة هجمات مدروسة ينفذها المستوطنون، يحظى بدعم دولي فعلي عبر تبرعات للتسليح المستوطنين، والغطاء السياسي، أو توفير العنصر البشري للمستوطنات، حيث يحمل جزء كبير من المستوطنين جنسيات أوروبية وأمريكية وكندية.

ويرى أبو عرقوب أن قدرة الفلسطينيين على مواجهة المشروع الاستيطاني بالوسائل الذاتية، سواء كأفراد أو كنظام سياسي، تبقى محدودة جدًا، ولا يمكن أن تُحدث تغييرًا دون قرار من الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة بوقف الاستيطان، والشروع في تفكيكه واعتباره فعليًا غير شرعي، وإلا فإن نهاية الوجود الفلسطيني في مناطق محددة باتت قريبة جدًا.



المنطقة "ج".. ساحة الحسم الفعلية


وأكد المختص بالشأن الإسرائيلي مازن الجعبري أنه في قلب الضفة الغربية تُعدّ المنطقة "ج " ساحة الحسم الفعلية لتجسيد المشروع الكولونيالي في فلسطين.

وقال: هي ليست مجرد تصنيف إداري، بل الحيّز الذي تُدار فيه الأرض كسياسة، عبر التخطيط والترخيص وشقّ الطرق والتحكم بالموارد وربط الكتل الاستيطانية بعضها ببعض.

وأضاف الجعبري: لهذا السبب تحديدًا تُعدّ المنطقة "ج"، التي تشكّل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية العمود الفقري لأي كيان فلسطيني مستقبلي؛ فإذا جرى تفريغها من إمكانات الحياة والسيادة، فلن يبقى من فكرة الدولة سوى عنوان سياسي فوق جزر سكانية معزولة.


مسار كولونيالي مُحكم يعيد تشكيل الخريطة


ويرى الجعبري أن التغوّل الاستيطاني في المنطقة "ج" لم يعد قابلًا للقراءة كأحداث متفرقة، بل كمسار كولونيالي مُحكم يعيد تشكيل الخريطة ويحوّل السيطرة المؤقتة إلى ضمّ فعلي على الأرض.

وأشار إلى أن أرقام عام 2025 تكشف حجم هذا المسار، جرى دفع مخططات هيكلية لمجموع 29,311 وحدة استيطانية في الضفة الغربية (باستثناء القدس الشرقية)، وهي ليست مجرد مشاريع على الورق، بل مسارات تخطيط رسمية تُمهّد للبناء وترسيخ الوقائع.

وأضاف الجعبري: وفي الوقت نفسه، انتقل جزء من هذا الدفع إلى مرحلة أكثر مباشرة عبر عطاءات بناء قياسية بلغ مجموعها 9,629 وحدة خلال العام نفسه، ما يعني أن المشروع لا يكتفي بتوسيع الخرائط، بل يمضي نحو تثبيت حضورٍ ماديّ دائم.

وأكد أنه "مع بداية 2026 لم يظهر أي تباطؤ؛ إذ استمر نمط الدفع بالمخططات، وبرزت مؤشرات مبكرة مثل التقدّم بخطط جديدة لما يزيد عن آلاف الوحدات الاستيطانية في نهاية 2025 وبدايات 2026، في إشارة إلى وتيرة متصاعدة لتكريس الضم وتغيير معالم المنطقة "ج" ديموغرافيًا وجيوسياسيًا.

وتساءل: لماذا تتركّز المعركة في المنطقة "ج" تحديدًا؟ وقال: لأنها المساحة التي يمكن عبرها خنق المدن والبلدات الفلسطينية دون اجتياحها مباشرة. حين تُحاصر الكتل السكانية بالمستوطنات والطرق الالتفافية والمناطق العسكرية والقيود التخطيطية، يتحول الفلسطيني إلى ساكن داخل جيبٍ مغلق، وتتحول الأرض حوله إلى فضاء مُتاح لتمدد الاستيطان وحده. هنا يظهر جوهر التغوّل، ليس فقط مصادرة الأرض، بل مصادرة المستقبل؛ عبر منع التوسع العمراني، وخنق الاقتصاد المحلي، وتفتيت التواصل بين القرى، وتحويل حرية الحركة إلى مشقّة يومية وإهانة مستمرة.

وأوضح الجعبري أن هذه السياسة تكتسب ثقلها من كتلة ديموغرافية استيطانية ضخمة؛ ففي نهاية 2024 بلغ عدد المستوطنين 503,732 في الضفة الغربية و233,600 في القدس الشرقية، أي ما مجموعه 737,332 مستوطنًا. هذا الرقم ليس مجرد تعداد سكاني، بل قوة ضغط سياسية واقتصادية وأمنية تُغذّي مطالب الضم وتحول الاستيطان إلى منظومة حكم فوق الأرض. والنتيجة التي تتشكل تدريجيًا هي مشهد "جزر" فلسطينية متناثرة، محاطة بكتل استيطانية وشبكات طرق وحواجز عسكرية، تُحوّل الفلسطينيين إلى سكان كانتونات منعزلة داخل وطن مُجزّأ.

وتساءل أيضاً: ما الذي سيبقى في المنطقة "ج" إذا استمر الزحف؟ معتقداً أنه سيبقى وجودٌ بلا مجال: تجمعات فلسطينية تُدار كقضية سكانية لا كقضية سيادة، ومدن بلا عمق، وقرى محاصرة، واقتصاد مقطوع الأوصال، وخريطة تتغير يومًا بعد يوم بما يخدم الضم الفعلي ويُقفل أفق الدولة.

ويرى الجعبري أن الوسيلة لوقف هذا الزحف تبدأ بإعادة المنطقة "ج" إلى مركز الاشتباك السياسي والميداني، لا باعتبارها ملفًا مؤجلًا بل باعتبارها عنوانًا للحسم الجاري، وتثبيت الوجود على الأرض عبر حماية التجمعات المهددة ودعم الزراعة والسكن والخدمات لمنع التهجير البطيء، ومراكمة معركة قانونية وإعلامية منظمة تفضح هندسة العزل والتقطيع وتحوّل الاستيطان إلى كلفة لا مكسبًا، مضيفاً: إن الأهم هو فرض ثمن سياسي واقتصادي فعّال على مشروع الضم، لأن الاستيطان يتقدم حين يطمئن إلى غياب الردع. عندها فقط يمكن كسر معادلة الاحتلال بلا كلفة، ومنع تحويل المنطقة ج إلى واقع دائم يُنهي إمكانية الدولة ويترك فلسطين كجزر معزولة فوق أرضٍ تُبتلع تدريجيًا.


حلم اليمين الإسرائيلي بلغ أقصاه


بدوره، أكد المختص بالشأن الإسرائيلي أمير مخول، مركز تقدم للسياسات، أن حلم اليمين الإسرائيلي بلغ أقصاه، ورغم أن اليمين يبدو كأنه يعيش عصره الذهبي وأفضل لحظاته، فؤنه جوهرياً وفي العمق يمر بأعمق أزماته. فاليمين الإسرائيلي ينكسر؛ إذ انكسر في غزة، حيث لم يحدث في نهاية المطاف أي استيطان أو تهجير فعلي. كما انكسر في لبنان عندما ظن أنه قادر على إرسال علماء آثار للبحث كنس وغيرها، تمهيداً للاستيطان وإيجاد موطئ قدم، وكذلك الحال في جنوب سوريا.

وأوضح مخول أن اليمين لم يستطع عملياً تشريع قانون الضم بسبب الضغوط العربية والدولية، إضافة إلى الموقف الأمريكي، بما في ذلك موقف السفير الأمريكي الذي قد يتفق مع اليمين أيديولوجياً، لكنه في النهاية يمثل السياسة الأمريكية. فهذه السياسة تخشى موقف الدول العربية، ولا سيما تلك التي تربطها علاقات دبلوماسية بإسرائيل.

وأشار إلى أن اليمين يمر اليوم بمرحلة صعبة وحرجة؛ فهو يحكم بشكل شبه مطلق، لكنه عاجز عن تنفيذ مشاريعه التي وعد بها، سواء خطة الحسم أو غيرها.

ورجح مخول أن إسرائيل مقبلة على عام انتخابي، ما سينعكس بتصعيد كبير جدًا تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وداخل أراضي عام 1948، وبشكل خاص في النقب ومدن الساحل. ولفت إلى أن مؤشرات هذا التصعيد بدأت تظهر بوضوح غير مسبوق.

وأضاف مخول أن حالة الانفلات اليميني المتطرف، والمدعومة من الجيش ومؤسسات الدولة، تمثل محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروع اليمين، وفي الوقت ذاته تمثل ذروة هذا المشروع، وتحديداً في الضفة الغربية.

واوضح مخول أن اليمين سيسعى بكل قوة لتعزيز سيطرته جغرافيًا، لكنه عاجز عن تعزيزها ديمغرافيًا، إذ إن ميزان الهجرة إلى المستوطنات ليس إيجابياً، لا للمستوطنين ولا لإسرائيل. وفي الوقت نفسه، هناك مخططات لبناء نحو مئة ألف وحدة سكنية، من دون وجود مستوطنين فعليين للسكن فيها حتى الآن، وهو ما يثير قلق اليمين. وقد يحاول دفع الحريديم إلى هذه المناطق، لكن ذلك ليس مضمونًا.


المعركة اليوم على الأرض لا على الديموغرافيا


وأكد مخول أن اليمين مأزوم بشدة، ولذلك يسعى للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، حتى عبر ممارسات مثل الاستيلاء على المواشي من سوريا ونقلها إلى مزارع أقيمت لعائلات مستوطنين، بما يتيح لكل عائلة السيطرة على آلاف الدونمات. فالمعركة اليوم هي معركة على الأرض، لا على الديموغرافيا، إذ إن اليمين غير قادر على تهجير الفلسطينيين أو طردهم، ولا على جلب عدد كافٍ من الإسرائيليين للسكن في هذه المناطق.

وأوضح مخول أن السيطرة على الأرض ترتبط بمخطط إنهاء ما يُعرف بالمنطقة "ج"، وهو ليس مشروع سموتريتش أو بن غفير فقط، بل خطة نتنياهو بالأساس، بهدف منع قيام دولة فلسطينية، مع تقاطع ذلك مع خطة الحسم من جهة سموتريتش، وخطط التهجير والتطهير العرقي التي يطرحها بن غفير.

واعتبر أن كيفية صد هذا المشروع تحتاج، كما هو الحال في غزة، إلى حاضنة عربية، وقال في ظل غياب قدرة فلسطينية منظمة أو سلطوية قادرة فعلياً على حماية السكان ومنع السيطرة.

وأكد الحاجة إلى دور عربي فاعل، ما يجعل الضغط على واشنطن أكثر فاعلية من الضغط على تل أبيب، على أن يكون هذا الضغط عربياً جماعياً.

وأكد مخول أن تنظيم الناس والمزارعين في إطار الحماية الذاتية مهم، لكنه غير كافٍ، لأن الحديث يدور عن قوة احتلال ودولة وجيش ومستوطِنين مسلحين يمتلكون كل أدوات القمع. لافتا إلى أن الاستهداف يتركز حاليا على المناطق النائية، لكنه قد يمتد لاحقًا إلى المدن، كما يحدث في الخليل التي تبدو مرشحة أكثر لهذا التصعيد، في سياق السعي لإحكام السيطرة على الأغوار.

وأكد مخول أن ذلك لا يعني بالضرورة نجاح إسرائيل، مشدداً على وجود إمكانات للعمل الدبلوماسي عبر تحريك الوزن العربي والكتلة العربية في الأمم المتحدة وعلى المستويات الإقليمية والأوروبية.

دلالات

شارك برأيك

التغول الاستيطاني... سياسة ممنهجة لفرض وقائع جديدة وتمرير الضم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.