بعد خطاب ترامب الذي قرر فيه ان يطلب قطعة جليد اسمها "جرينلاند"، وكأنها مكعب ثلج سقط سهوا من كوب كوكتيل على طاولة البيت الابيض، عاد العالم ليكتشف ان منطق القوة حين يَمَل لا يبحث عن ارض دافئة، بل عن ثلاجة. اوروبا ترفض طبعا، ثم يعود ترامب ليشرح لهم ان الرفض لا يعني شيئا حين تكون الرغبة مدعومة بتاريخ طويل من اعتبار الكوكب مخزنا مفتوحا لمن يملك اسطولا حربيا قويا، وخطابا شعبويا صالحا للاستهلاك الانتخابي.
القصة تبدو للوهلة الاولى نكتة سياسية، بل ربما تصلح لعناوين ساخرة ثم تمر، لكن خلف هذه المزحة الباردة يكمن منطق قديم يعاد تدويره بلغة جديدة، الارض ليست شعبا ولا تاريخا، ولا نظاما قانونيا، بل فرصة استثمارية لم تحجز بعد، وبهذا المعنى لا يختلف طلب قطعة جليد عن طلب حقل نفط، او ميناء استراتيجي، او ممر تجاري، او حتى شراء شعب من العبيد، لكن الاختلاف فقط في درجة الصراحة، وفي الجرعة الاعلامية التي ترافق الطلب.
ترامب لم يختر "جرينلاند" عبثا، فالموقع مهم، والموارد واعدة، والمناخ المتحول يحول الجليد الى كنز قابل للتنقيب والاستثمار، وهنا يصبح تغيّر المناخ الذي تدفع الشعوب ثمنه فرصة ذهبية لإعادة ترتيب خرائط النفوذ، فالكارثة البيئية تتحول الى اعلان استثماري، والعالم يشاهد العرض ثم يصفق للدهشة، ويعود الى اعماله اليومية.
اللافت ليس فقط في الطلب بل في طريقة تقديمه، فلا حديث عن سيادة، ولا عن سكان، ولا عن حقوق تاريخية، بل عن صفقة فقط، وكأن السياسة العالمية عادت رسميا الى عصر القراصنة والشركات التجارية الكبرى، حين كانت الجزر تباع وتشترى مقابل اسهم وشاي وسفن، لكن الفارق اننا نعيش في زمن يدعي ملكية خطاب حقوقي ضخم ومهيب، لكنه يستخدم غالبا للعرض، لا للتنفيذ.
رفض اوروبا للطلب بدا في ظاهره موقفا اخلاقيا، لكن الرفض نفسه كان مهذبا اكثر من اللازم، لا احد قال ان الفكرة بحد ذاتها فاضحة، بل قيل انها غير مناسبة دبلوماسيا، والفرق كبير حين يتحول النقاش من حقوق الشعوب في تقرير مصيرها الى لباقة التصريحات، عندها نكون قد قطعنا شوطا طويلا في تطبيع منطق الاستحواذ بلغة العصر، او الاستعمار بلغة الماضي في جوهره.
السخرية هنا ان النظام الدولي الذي يفترض انه قائم على احترام الحدود، هو نفسه الذي انتج قرونا من تمزيق الشعوب وابادتها وتقطيع الخرائط بالقوة، الفارق اليوم ان الادوات انعم قليلا، والعبارات اجمل الى حد ما، لكن الجوهر واحد، فمن يملك القوة يختبر الحدود، ومن لا يملكها يكتب بيانات رفض انيقة، ثم ينتظر الخبر التالي.
المشكلة ان هذا النمط لا يبقى في اطار الطرائف، فحين يقدم زعيم دولة كبرى فكرة الاستحواذ كخيار قابل للنقاش، يرسل رسالة الى العالم كله بان القانون الدولي اقتراح، لا الزام، فاليوم قطعة جليد او جزيرة، وبعد غد ممر مائي او مجال جوي، فالسوق مفتوح امام من يملك الجرأة الكافية فقط للقول بصوت عال جدا ما يفكر فيه الاخرون، ولكن بصمت معيب.
الحل لا يكون بالاستهزاء وحده، فرغم ان السخرية سلاح ضروري لكشف العبث، لكن المطلوب ان يعاد ربط السياسة العالمية بمنطق الحقوق، لا بمنطق الصفقات، وان يعاد الاعتبار لفكرة ان الارض ليست بضاعة، وان الشعوب ليست ملاحق في عقود البيع، ودون ذلك سيبقى العالم ينتقل من نكتة الى ازمة، ومن طلب غريب الى واقع جديد، ثم يتساءل كيف وصلنا الى هنا؟
أقلام وأراء
الخميس 22 يناير 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
"قطعة جليد" بحجم قارة!