عربي ودولي

الأحد 11 يناير 2026 6:10 مساءً - بتوقيت القدس

أسرلة الولايات المتحدة وأمنها وتُفرّيغ القانون من معناه

واشنطن – "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات 

تحليل إخباري


لم يعد ممكنًا النظر إلى تصاعد القتل على يد أجهزة إنفاذ القانون في الولايات المتحدة بوصفه سلسلة أخطاء فردية أو تجاوزات ميدانية معزولة. ما يتشكّل أمامنا، بوضوح متزايد، هو تحوّل عقائدي في فلسفة الأمن الأميركية، تحوّل يقترب بخطى ثابتة من النموذج الإسرائيلي القائم على مبدأ واحد: القتل الاستباقي بوصفه أداة حكم. إنها "أسرلة" للذهنية الأمنية، لا في الأدوات فقط، بل في المنطق، واللغة، وتبرير العنف.


من دولة قانون إلى دولة اشتباه


جوهر الدولة الحديثة يقوم على مبدأين لا ثالث لهما: قرينة البراءة، واحتكار العنف ضمن قيود قانونية صارمة. غير أن ما نشهده اليوم في الولايات المتحدة هو تفريغ هذين المبدأين من مضمونهما. الاشتباه بات كافيًا لإطلاق النار، والخطر الافتراضي صار مبررًا للقتل الفعلي، والتحقيق يُؤجَّل إلى ما بعد الجنازة.


هذا المنطق ليس جديدًا على التجربة الإسرائيلية، حيث يُعامل "التهديد المحتمل" كجريمة مكتملة الأركان. الجديد – والخطير – هو استيراده إلى الداخل الأميركي، في سياق مدني لا احتلال فيه، ولا حرب معلنة، ولا حالة طوارئ دائمة يُفترض أنها تبرّر تعليق الحقوق.


"اقتُل أولًا" كعقيدة غير معلنة


لا تحتاج الولايات المتحدة إلى إعلان رسمي لتبنّي عقيدة "اقتُل أولًا". يكفي أن نراقب السلوك: إطلاق النار قبل التفاوض، تحييد الجسد بدل احتواء الموقف، ومنح الحصانة بدل المساءلة. في هذه العقيدة، لا يُنظر إلى الإنسان بوصفه صاحب حق، بل بوصفه خطرًا مؤجَّلًا يجب القضاء عليه قبل أن يتحقّق.


هنا تحديدًا تتلاقى التجربتان الأميركية والإسرائيلية: تحويل الأمن من خدمة عامة إلى أداة سيطرة، ومن وسيلة حماية إلى غاية تبرّر ذاتها بذاتها.


الوكالات الفدرالية: عسكرة الداخل


الأسرلة لا تتجلّى فقط في عنف الشرطة المحلية، بل في صعود الوكالات الفدرالية المسلحة التي تعمل بمنطق عسكري داخل الفضاء المدني. هذه الوكالات، التي تتمتع بحصانات قانونية أوسع ورقابة أضعف، تُعيد إنتاج النموذج الإسرائيلي القائم على تذويب الحدود بين العسكري والمدني.


حين تصبح المدن مسارح عمليات، والمواطنون أهدافًا محتملة، والدوريات أشبه بوحدات تدخل سريع، فإننا لا نكون أمام «إنفاذ قانون»، بل أمام عقيدة أمن قومي مُسقَطة على المجتمع.


الإعلام: هندسة القبول بالعنف


لا تكتمل عقيدة "اقتُل أولًا" دون شريك إعلامي. في النموذج الإسرائيلي، تُبنى الرواية بسرعة: الضحية كانت تشكّل خطرًا، والرصاصة كانت ضرورية، والسؤال الأخلاقي مؤجَّل إلى أجل غير مسمّى. المشهد ذاته يتكرّر أميركيًا: تسريبات انتقائية، تركيز على سجل الضحية، وتغييب السياق الكامل للفعل.


بهذا، لا يُطلب من الجمهور التفكير، بل التكيّف. لا المساءلة، بل التبرير. لا العدالة، بل إدارة الغضب.


إن أخطر ما في "أسرلة" الولايات المتحدة ليس عدد الضحايا، بل إعادة تعريف المواطن نفسه. في المنظومة الأمنية الجديدة، لم يعد المواطن طرفًا في عقد اجتماعي، بل عنصرًا يجب ضبطه. هذا التحوّل يُنتج دولة ترى في شعبها مجالًا للسيطرة لا شريكًا في الحكم. ومع كل حادثة قتل بلا محاسبة، يُعاد رسم الخط الفاصل بين السلطة والمجتمع، ليس بالقانون، بل بالخوف، وهو ما يفتح الباب لانهيار بطيء، لكنه ممنهج، لفكرة الديمقراطية ذاتها.


من الاستثناء إلى القاعدة


التاريخ يعلّمنا أن أخطر الانزلاقات تبدأ حين يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة. ما كان يُبرَّر سابقًا بـ"الظرف الطارئ" صار إجراءً روتينيًا. وما كان يُعدّ فضيحة، بات خبرًا عابرًا. هذه هي اللحظة التي تفقد فيها المجتمعات حساسيتها الأخلاقية، وتبدأ بالتعايش مع العنف بوصفه أمرًا طبيعيًا.


الولايات المتحدة تقف اليوم عند هذا المفترق: إما إعادة الاعتبار لسيادة القانون، أو الاستمرار في مسار يُفرغ الدستور من روحه، ويحوّل الحقوق إلى امتيازات قابلة للسحب.


تُخطئ النخب السياسية الأميركية حين تظن أن استيراد النموذج الإسرائيلي سيجلب الأمن. التجربة ذاتها تثبت العكس: القتل الاستباقي لا يُنتج ردعًا دائمًا، بل دائرة عنف لا تنتهي. حين تُدار الدولة بعقيدة الاشتباه، يصبح الجميع مشروع ضحية. وحين تُقدَّم القوة على القانون، يتآكل النظام من داخله. الأمن الحقيقي لا يُبنى على الرصاص، بل على العدالة، وكل ما عدا ذلك ليس سوى إدارة مؤقتة للفوضى.


خاتمة: أي أمريكا نريد؟


السؤال لم يعد إن كانت الولايات المتحدة تُسرْئِل أمنها، بل إلى أي مدى ستذهب في هذا المسار. فإما دولة تعترف بأن الأمن بلا محاسبة هو استبداد مؤجَّل، أو دولة تختار الطريق الأسهل: إطلاق النار أولًا، وكتابة التاريخ لاحقًا.


لكن التاريخ، كما تُظهر كل التجارب، لا يرحم الدول التي تختار الرصاصة بدل القانون.

دلالات

شارك برأيك

أسرلة الولايات المتحدة وأمنها وتُفرّيغ القانون من معناه

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.