عربي ودولي

الجمعة 09 يناير 2026 7:08 مساءً - بتوقيت القدس

على حافة الانفجار: منطق القوة في إدارة ترمب وتقاطع الحسابات الأميركية–الإسرائيلية مع إيران

واشنطن – سعيد عريقات


تحليل إخباري

لم يتردد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الخميس، في تجديد تهديداته العلنية بالانتقام من إيران إذا ما أقدمت السلطات الإيرانية على استهداف المحتجين الذين خرجوا إلى الشوارع خلال الأسبوعين الماضيين. غير أن خطورة هذا التصريح لا تكمن في مضمونه المباشر فحسب، بل في كونه يعكس عقلية سياسية ترى في القوة أداة شرعية بحد ذاتها، وتتعامل مع النفوذ العسكري الأميركي باعتباره تفويضًا مفتوحًا للتدخل والردع والعقاب، من دون اكتراث يُذكر بالحدود الجغرافية أو القانونية. في هذا المنطق، لا تعود السيادة عائقًا، ولا يشكّل القانون الدولي إطارًا ناظمًا، بل يتحول إلى تفصيل قابل للتجاوز حين تتعارض نصوصه مع إرادة القوة.

وتدخل منطقة الشرق الأوسط مع مطلع عام 2026، مرحلة بالغة الدقة، تتشابك فيها المعطيات العسكرية مع السوابق السياسية، وتختلط حسابات الردع بإشارات الإكراه المباشر. ففي ظل تصاعد الحديث عن مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتبلور ملامح سلوك أميركي متكرر يقوم على توسيع تعريف التهديد، وتكريس منطق الضربة الاستباقية، وتجاوز الأطر القانونية الدولية. هذا النهج، الذي لم يعد حكرًا على الشرق الأوسط، بل تجلّى مؤخرًا في أميركا اللاتينية، ينعكس اليوم بوضوح في مقاربة واشنطن للملف الإيراني.

شكّلت المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران في حزيران 2025 محطة فاصلة في مسار الصراع. ورغم أنها لم ترتقِ إلى مستوى الحرب الشاملة، فإنها كسرت قواعد الاشتباك غير المعلنة التي حكمت العلاقة بين الطرفين لسنوات. فالضربات الإسرائيلية الواسعة داخل العمق الإيراني، المدعومة سياسيًا وعسكريًا من الولايات المتحدة، أسست لواقع جديد قوامه صراع مفتوح بلا تسوية، وردع هش، وانعدام شبه كامل للثقة. لم يخرج أي طرف منتصرًا بشكل حاسم، لكن الرسالة كانت واضحة: سقف المحظورات انخفض، والمرحلة التالية ستكون أكثر خطورة.

في طهران، تُرجمت هذه القناعة بإعادة ترتيب منظومة القرار الأمني، عبر إنشاء مجلس دفاع أعلى أعلن صراحة أن إيران لن تنتظر الضربة الأولى إذا ما رصدت ما تصفه بـ"تهديد وشيك". هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الخطاب، بل عكس إدراكًا متزايدًا بأن البيئة الإستراتيجية لم تعد محكومة بالقواعد التقليدية. فعندما تصبح النوايا المفترضة أساسًا للتحرك العسكري، يتحول الانتظار إلى مخاطرة وجودية، ويغدو الاستباق، من وجهة نظر صانعي القرار، خيارًا دفاعيًا.

في المقابل، واصلت إسرائيل ترسيخ عقيدتها الأمنية القائمة على منع أي تحول استراتيجي قد يخلّ بتفوقها، ولا سيما في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. ورغم غياب مؤشرات قاطعة على صدور قرار فوري بشن هجوم، فإن الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي لم يشهد تراجعًا. الحديث المتكرر عن «اللحظة الأخيرة»، والتلميح إلى خيارات غير متوقعة، وتسريب تقديرات استخبارية، جميعها أدوات ضغط تهدف إلى إبقاء إيران تحت تهديد دائم، واستنزافها نفسيًا وسياسيًا.

بعض الخبراء يعتقدون أن واشنطن تبدو وكأنها تمسك العصا من المنتصف، بين التصعيد والاحتواء. فتصريحات ترمب تعكس استعدادًا لاستخدام القوة، سواء تحت ذريعة البرنامج النووي أو عبر عناوين فضفاضة مثل "حماية المدنيين" و"منع الفوضى". وفي الوقت نفسه، تحرص المؤسسات الأميركية على الإيحاء بعدم وجود قرار وشيك بالانخراط في حرب. هذا التناقض لا يبعث على الطمأنينة بقدر ما يفاقم القلق، خاصة في ضوء التجارب القريبة.

وتبرز فنزويلا كنموذج كاشف لفهم هذا السلوك. فقد شكّل اقتحام كاراكاس واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سابقة خطيرة في انتهاك سيادة دولة مستقلة، من دون تفويض دولي أو مسار قانوني معلن. وبغض النظر عن المبررات التي سُوّقت، فإن الرسالة التي التقطها خصوم واشنطن كانت واضحة: القوة باتت تحل محل الشرعية، والفعل يسبق التبرير. في هذا السياق، يصبح من الصعب إقناع طهران بأن التهديدات الأميركية–الإسرائيلية لا تتجاوز إطار الردع.

ويبقى البرنامج النووي الإيراني في صلب الصراع، لكنه يتحول في الوقت نفسه إلى ذريعة مرنة قابلة للتكيّف. فحتى في غياب أدلة حاسمة على الانتقال إلى مرحلة إنتاج السلاح، يكفي التقدم التقني أو الغموض المتعمد لإبقاء خيار الهجوم مطروحًا. هذا المنطق يغلق الباب أمام الحلول المرحلية، ويدفع باتجاه معادلة صفرية: إما الامتثال الكامل، أو المواجهة.

وتتعزز هذه المعادلة بعوامل داخلية إيرانية، في مقدمتها الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات والتوتر الاجتماعي. وهي عناصر تجعل القيادة أكثر حساسية تجاه أي تهديد خارجي، وأكثر ميلًا لاعتماد خطاب الصمود والتحدي. في مثل هذه البيئة، يتضاعف خطر سوء التقدير، لا بالضرورة نتيجة اندفاع متعمد، بل بسبب انسداد البدائل.

خلاصة المشهد أن المؤشرات المتاحة لا تؤكد وجود قرار أميركي–إسرائيلي وشيك بشن هجوم على إيران. غير أن الاندفاع نحو هذا الخيار يتغذى من قناعة إسرائيلية بأن عامل الوقت لا يعمل لصالحها، وسلوك أميركي يتسم بتراجع الالتزام بالقيود الدولية، وإدراك إيراني متزايد بأن الانتظار قد يكون مكلفًا إلى حد قاتل. وفي عالم تُعاد فيه صياغة القواعد بمنطق القوة، يتآكل الخط الفاصل بين الردع والعدوان، وتغدو الحرب نتيجة تراكمية لمسار متصاعد، لا قرارًا معلنًا.

دلالات

شارك برأيك

على حافة الانفجار: منطق القوة في إدارة ترمب وتقاطع الحسابات الأميركية–الإسرائيلية مع إيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.