تتجه الحكومة المغربية نحو تنظيم الفضاء الرقمي، خاصة التطبيقات الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، من خلال مشروع قانون يهدف إلى ضبط الممارسات الافتراضية ومواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة، مع السعي لتحقيق توازن بين حرية التعبير وحماية القيم المجتمعية.
يرى مسؤولون أن مشروع القانون يهدف إلى حماية القيم المجتمعية والفئات الضعيفة، وخاصة القاصرين، من المخاطر المحتملة في الفضاء الرقمي.
في المقابل، دعا خبراء إلى إطلاق حملات توعية شاملة للمواطنين، مؤكدين أن الجانب القانوني وحده غير كاف، وحذروا من استهداف الأمن الرقمي للمؤسسات الوطنية في ظل محدودية الأمن السيبراني.
أعلن وزير الشباب والثقافة والتواصل المغربي، المهدي بنسعيد، أن الحكومة تعتزم تقديم مشروع قانون شامل لتنظيم العالم الرقمي، بما في ذلك المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي.
أوضح بنسعيد أن المشروع يهدف إلى مواكبة التطورات التكنولوجية السريعة، وإيجاد توازن بين حرية التعبير وحماية القيم المجتمعية والفئات الهشة، وعلى رأسها القاصرون.
وأشار الوزير إلى أن هذه الخطوة تأتي في ظل التحول الكبير الذي شهده قطاع الاتصال والإعلام في العقدين الأخيرين، نتيجة الانتشار الواسع لوسائل التواصل والتطبيقات الرقمية، مما أدى إلى ظهور فضاء مفتوح يجمع بين فرص التعبير والمخاطر المتزايدة التي تهدد الأطفال والشباب.
وأكد أن هذه المنصات، على الرغم من جوانبها الإيجابية مثل التعلم والتفاعل واكتساب المعرفة، أصبحت مصدرا للعديد من الظواهر السلبية، بما في ذلك انتشار العنف اللفظي والبصري، والانحرافات السلوكية، وخطابات الكراهية، والأخبار الزائفة.
من جهته، وصف الخبير المغربي المتخصص في الإعلام والتواصل، عبد الحكيم أحمين، هذه الخطوة بأنها متأخرة مقارنة بتجارب الدول العربية والغربية الأخرى.
وفي حديث خاص، أشار أحمين إلى أن دول الخليج ودولا أجنبية أخرى قد أصدرت بالفعل مجموعة من التشريعات والقوانين التي تساهم في تنظيم المجال الرقمي.
ودعا إلى الاستفادة من التجارب السابقة لوضع إطار تنظيمي للفضاء الرقمي، وإنشاء هيئات للابتكار والأمن السيبراني.
وأضاف أن المغرب لديه فرصة كبيرة للاستفادة من تجارب دول أخرى مثل الدول الأوروبية وكندا وسنغافورة، لبناء تنظيم قانوني يتناسب مع متطلبات البلاد والتحديات الداخلية والخارجية التي يفرضها التحول الرقمي، خاصة وأن الشركات الرقمية الكبرى تفرض نفسها بقوة على جميع الدول.
وحذر أحمين من استهداف الأمن الرقمي لمؤسسات الدولة، في ظل محدودية الأمن السيبراني، خاصة في ظل التلاعب والتضليل والحسابات الوهمية والخارجية التي يشهدها العالم الرقمي.
وأشار إلى أن الحسابات الوهمية التي تهدف إلى التضليل بدأت تفرض وجودها بقوة عبر مختلف المنصات الرقمية، وفي جميع المجالات التعليمية والصحية والبحثية والاقتصادية، وحتى في مجالات التأثير والسيطرة على الرأي العام.
وأكد أنه لا يمكن للمغرب إصدار قوانين بمعزل عن احترام مبادئ حقوق الإنسان والمعايير الدولية، ولكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى استحضار خصوصيته وهويته وانتمائه المغربي، وامتداده الجغرافي العربي والإسلامي والإفريقي.
في يونيو الماضي، أعلنت النيابة العامة في المغرب عن فتح تحقيق في هجوم سيبراني استهدف الموقع الإلكتروني للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
الجانب القانوني وحده غير كاف، فلا بد أن ترافقه جهود توعوية موجهة للمواطنين لتعزيز الوعي.
وفي أبريل الماضي، تعرض المغرب لهجوم سيبراني وصفه خبراء بأنه الأكبر والأعنف منذ سنوات، وأدى إلى تسريب آلاف الوثائق السرية الخاصة بوزارة التشغيل والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
تضمنت الوثائق المسربة رواتب مسؤولين ومواطنين، بالإضافة إلى حسابات بنكية وبيانات خاصة بالتأمين الصحي لبعض الشخصيات وأماكن عملهم.
اتهم الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، جهات معادية للبلاد بالوقوف وراء الهجوم السيبراني، ووصفه بأنه فعل إجرامي.
يرى الخبير المغربي أن نجاح هذه الخطوة وقدرتها على تنظيم القطاع يعتمد بشكل أساسي على الجانب القانوني، باعتباره عنصرا محوريا في وضع التشريعات والإجراءات القانونية والتنظيمية التي تحدد أدوار جميع الأطراف، من شركات الاتصالات والمنصات الدولية إلى المستخدمين من المؤسسات الإعلامية والصحفيين والمستهلكين العاديين للمنصات الرقمية.
وأوضح أن التشريع يتطلب التفكير في جميع الأطراف من خلال التعاون مع الجهات المختصة الرسمية والقطاع الخاص، بما في ذلك المراكز البحثية وبعض الأساتذة الجامعيين والمتخصصين في المجال القانوني والعلماء الاجتماعيين والنفسيين وعلماء الدين.
وأكد أن الجانب القانوني وحده غير كاف، بل يجب أن تصاحبه جهود توعوية موجهة للمواطنين، من خلال الانفتاح على الجامعات والمدارس لتعزيز الوعي بما يجري داخل هذه المنصات وما يصدر من قوانين تنظمها.
وشدد أحمين على ضرورة مراعاة الحريات الفردية والعامة والسياسية عند وضع أي تنظيم أو إطار قانوني للمجال الرقمي.
وحذر من المخاطر التي تهدد المستخدمين والدولة على حد سواء، وأبرزها تهديد السيادة الرقمية للدولة بسبب سيطرة الشركات الرقمية الكبرى، التي تفرض وجودا قويا على جميع الدول تقريبا.
وأضاف أنه يمكن للمغرب فرض بعض الشروط على الشركات والمنصات الرقمية الكبرى العاملة داخله.
وأشار إلى أن بعض الدول، مثل دول الاتحاد الأوروبي، كانت أكثر قدرة على فرض مثل هذه الشروط، في حين تواجه الدول النامية، ومن بينها المغرب، صعوبات واضحة في مواجهة هذه الشركات.
ولفت إلى أن الدول النامية قد تواجه حملات مضادة من قبل تلك الشركات الكبرى عند محاولة فرض قوانين صارمة عليها.
وأكد أنه على الرغم من ذلك، يمكن للمغرب أن يبدع في وضع قوانين تحترم حقوق الإنسان والمعايير الدولية.
وأوضح أن هذه الخطوة يمكن أن تساعد في تنظيم القطاع، على الرغم من تعقيد العالم الرقمي واتساعه وانفتاحه، وعلى الرغم من أنه واقع يخضع لهيمنة الشركات الكبرى.
وأشار إلى أن 80 بالمئة من الشركات الرقمية العملاقة أمريكية، و10 بالمئة صينية وروسية، بينما تتقاسم بقية الدول، وخاصة الاتحاد الأوروبي، النسبة المتبقية.
وختم أحمين حديثه قائلا إن هذه الهيمنة من الشركات الكبرى تجعل العديد من الدول راغبة في امتلاك أدوات لضبط نشاط الشركات الرقمية وإدارتها باعتبارها فاعلا عالميا مؤثرا.





شارك برأيك
المغرب يسعى لتنظيم العالم الرقمي بقانون جديد