عربي ودولي

الإثنين 24 نوفمبر 2025 5:06 مساءً - بتوقيت القدس

انخفاض التبرعات لغزة بعد وقف إطلاق النار: فجوة بين السلام الظاهر والمعاناة اليومية

واشنطن – "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات 

شهدت حملات جمع التبرعات المخصصة لدعم المدنيين في قطاع غزة تراجعًا حادًا منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول الماضي، ما أثار تساؤلات واسعة حول قدرة المنظمات الإنسانية والمجتمع الدولي على مواصلة تلبية الاحتياجات المتزايدة، في وقت تعطي فيه الهدنة انطباعًا مضللًا بعودة الحياة إلى مسارها الطبيعي. فعلى الرغم من توقف القصف، لا يزال ملايين الفلسطينيين يعيشون في ظروف إنسانية قاسية داخل ملاجئ تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش، وسط انتشار المرض والجوع، وتفاقم مشكلات سوء التغذية، وتعطّل البنية التحتية الأساسية في ظل غياب الكهرباء والمياه ووسائل الصرف الصحي.

وقد أفادت تقارير صحفية دولية بأن التراجع في التبرعات بدأ قبل الهدنة، لكنه ازداد بشكل دراماتيكي بعد دخولها حيز التنفيذ، إذ انخفض التمويل الموجه إلى صناديق المساعدة المتبادلة التي يديرها متطوعون في الخارج من آلاف الدولارات أسبوعيًا خلال فترة الحرب إلى أقل من نصف هذا المعدل في تشرين الأول. ويعزو القائمون على هذه المبادرات هذا الانخفاض إلى اعتقاد خاطئ بأن الفلسطينيين لم يعودوا بحاجة إلى دعم عاجل، رغم أن فصل الشتاء يقترب في وقت نزحت فيه آلاف الأسر مرات عديدة ولم تعد تمتلك الحد الأدنى من الملابس والبطانيات والمستلزمات الأساسية.

ولا يقتصر التراجع على المبادرات الفردية الصغيرة، بل يمتد إلى منظمات غير ربحية كبرى كانت تلعب دورًا محوريًا في توفير الغذاء. حيث أن جمعية "مطبخ غزة للحساء"، التي جمعت أكثر من 5.8 مليون دولار منذ شباط  2024 وقدمت نحو 10 آلاف وجبة يوميًا، سجلت انخفاضًا بنسبة 51% في التبرعات بين شهري أيلول وتشرين الأول من هذا العام. من جهته، أكد هاني المدهون، المؤسس المشارك للجمعية، أن التأثير لم يظهر بعد على العمليات اليومية، لكنه يشكل تحديًا كبيرًا لاستدامة الدعم في المستقبل القريب.

ويبقى الواقع الإنساني في غزة هشًا وخطيرًا. فبحسب تقييم أجرته منظمة ساري غلوبال SARI Global (واستشهدت به منظمة الصحة العالمية)، يعيش أكثر من 70% من سكان القطاع في مناطق معرضة للأمطار الشديدة والرياح والعواصف البحرية، دون بنية تحتية عاملة.

من جهة أخرى، تواجه المنظمات الدولية تحديات مالية متصاعدة. إذ تشير تقارير من أوكسفام ومنظمة إنقاذ الطفولة إلى انخفاض التبرعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بنحو الثلث، نتيجة تراجع التغطية الإعلامية، وتغير خوارزميات العرض، وتراجع قدرة المتبرعين على الاستمرار بعد عامين من المساهمات المتواصلة. وتعتبر هذه المنظمات أن ضعف التغطية الإعلامية يخلق حلقة مفرغة: فكلما قلت الأخبار، تراجع الاهتمام، وبالتالي تضاءلت القدرة على جمع الموارد، ما يحد من إمكانية تقديم مساعدات أكبر.

وتبرز تحديات إضافية تتعلق بوصول المساعدات إلى داخل القطاع. إذ فتحت إسرائيل ثلاثة معابر فقط من أصل سبعة منذ الهدنة، ما قيد قدرة المنظمات الأممية على توزيع الإمدادات. وتشير بيانات أممية إلى أن غزة تحتاج يوميًا نحو ألفي طن من المواد الغذائية، لكن ما يصل فعليًا لا يتجاوز ستين في المئة من هذا الرقم، ما يفاقم معدلات الجوع ويزيد اعتماد الأسر على المساعدات النقدية الصغيرة.

وفي هذا السياق، تعتمد آلاف العائلات على صناديق الدعم المباشر لتأمين الطعام والمأوى. وتوضح شهادات من داخل غزة أن الكثير من هذه الأسر شهدت تراجعًا كبيرًا في حجم المساعدات الشهرية، ما جعلها تعتمد على مواد غذائية رخيصة محدودة، في ظل ارتفاع أسعار المنتجات الأساسية رغم توفر بعضها في الأسواق.

ويرى القائمون على حملات الدعم أن أسباب الانخفاض في التبرعات لا ترتبط فقط بالانطباع العالمي بأن الأزمة انتهت، بل تتعلق أيضًا بضغوط مالية تواجهها الأسر المانحة، وبارتفاع كلفة الإجلاء للمتضررين، وبنفاد الموارد الفردية بعد فترة طويلة من التبرع المستمر، إلى جانب تأثيرات الخوارزميات الرقمية التي تحد من ظهور المحتوى المتعلق بفلسطين.

ويُبرز هذا التراجع فجوة عميقة بين صورة الهدوء التي تعكسها التغطية الإعلامية وبين الواقع المعيشي القاسي. فبينما يظن العالم أن وقف إطلاق النار أنهى الأزمة، يعيش سكان غزة يوميًا مع احتياجات ملحة لا تتحمل التأجيل. ويجمع الخبراء والمنظمات على أن الهدنة لم تتحول إلى سلام فعلي على الأرض، وأن استمرار الدعم الإنساني ليس خيارًا ثانويًا بل ضرورة حتمية لمنع مزيد من الانهيار الاجتماعي والغذائي خلال الأشهر المقبلة.

دلالات

شارك برأيك

انخفاض التبرعات لغزة بعد وقف إطلاق النار: فجوة بين السلام الظاهر والمعاناة اليومية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.