عربي ودولي

الإثنين 24 نوفمبر 2025 5:05 مساءً - بتوقيت القدس

خطة ما بعد الحرب أم مشروع لإعادة تشكيل غزة؟ رؤية أميركية–إسرائيلية على حساب الفلسطينيين


واشنطن - "القدس" دوت كوم - سعيد عريقات 

مع إقرار مجلس الأمن القرار الذي يتيح المضي في الخطة الأميركية لإدارة غزة بعد الحرب (القرار رقم 2803)، تتبلور بصورة أوضح ملامح مشروع سياسي–أمني يعيد رسم المستقبل الإداري والجغرافي للقطاع بشكل منفصل عن الإرادة الفلسطينية. فما يقدَّم بوصفه مسارًا إنسانيًا لإعادة الإعمار يبدو، وفق التداعيات المتتالية، أشبه بعملية هندسة جيوسياسية تُجريها واشنطن بالتنسيق الوثيق مع تل أبيب، وبما يخدم أولويات أمنية طويلة الأمد.

تقوم الخطة على إنشاء جسم أميركي جديد يُفترض أن يكون المرجعية الأساسية في تنسيق المساعدات وإدارة الشؤون المدنية، في ما يشبه سلطة وصاية دولية من خارج الأطر الأممية التقليدية. ويمنح هذا الترتيب واشنطن نفوذًا مباشرًا على القرارات المتعلقة بإعادة البناء والتحرك بين المناطق، في وقت تواصل فيه إسرائيل السيطرة العسكرية على النصف الشرقي من القطاع، بما يشمل المناطق التي يُخطَّط لإقامة مجتمعات سكنية مؤقتة فيها.

وتكشف المعطيات أن هذه المجتمعات ستُقام على أراضٍ تعود ملكيتها لآلاف الفلسطينيين النازحين، وأن مجرد النقاش الجاري يدور حول خيارات مصادرة الأرض مقابل تعويضات، وهي صيغة لطالما رُفضت فلسطينيًا لما تحمله من خطر تفريغ مناطق كاملة ومنع أهلها من العودة إليها. كما يثار سؤال جوهري حول معايير اختيار من سيُسمح له بالسكن في هذه التجمعات، وما إذا كانت ستصبح مناطق مغلقة تشبه مراكز الاحتجاز، رغم التصنيف الإنساني الذي يُطلق عليها.

القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل غزة لا تُصاغ في غرف العمليات الميدانية، بل تُحدَّد داخل أروقة البيت الأبيض وضمن مشاورات أميركية–إسرائيلية محكومة باعتبارات أمنية. أمّا مراكز التنسيق المدنية–العسكرية فتقتصر مهماتها على الجوانب التقنية، مثل وضع التصاميم والبنى الأساسية للتجمعات المقترحة، من دون أن يكون لها دور في تحديد الإطار السياسي العام.

هذه الصورة تزيد من مخاوف فلسطينية قديمة–جديدة من مشروع تهجيري واسع، أو على الأقل من هندسة سكانية تُبقي عشرات الآلاف بعيدًا عن أراضيهم الأصلية. ويتعزز هذا القلق في ظل عدم وجود أي ضمانات لعودة السكان إلى المناطق التي يُعاد بناؤها، إلى جانب تحليلات تتحدّث عن احتمال استغلال هذه التغييرات مستقبلاً لاستقدام مستوطنين إلى أجزاء معينة من القطاع، ما يعزز فرضية التحول نحو واقع استيطاني غير مسبوق في غزة.

وفي مؤشر آخر إلى تغيّر مراكز الثقل داخل المنظومة الأميركية، بدأت واشنطن تقليص حضور بعض موظفيها في مركز التنسيق المدني–العسكري الإسرائيلي (في كريات جات)، في خطوة تُقرأ على أنها نقل لصلاحيات أوسع إلى الهيئة الأميركية الجديدة التي ستشرف على تنفيذ الخطة. غير أن تنفيذ أجزاء أساسية من هذا المشروع يصطدم بعقبة كبرى: غياب أي دولة مستعدة لنشر قوات لحفظ الاستقرار أو المشاركة في عمليات نزع السلاح، وهي المهمة التي تُعد ركناً أساسياً في التصور الأميركي–الإسرائيلي.

وفي ظل هذا الرفض الدولي، تلوّح إسرائيل بإمكانية القيام بالمهمة منفردة، مع التشديد على أن إعادة تأهيل المناطق التي كانت تحت سيطرة حماس لا يمكن أن تبدأ قبل استكمال عملية نزع السلاح بشكل كامل. لكن هذه المقاربة تفتح الباب واسعًا أمام إدارة أمنية–عسكرية طويلة الأمد، تُقدَّم تحت شعارات إنسانية لكنها تُكرّس السيطرة الإسرائيلية وتعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة.

إلى جانب ذلك، يجري تداول خيارات أمنية بديلة مثل الاستعانة بشركات خاصة للقيام بمهام الحراسة والمرافقة، في ظل الإعلان عن توسع إحدى الشركات العاملة بالفعل في غزة في عمليات التجنيد استعدادًا لفتح عدد جديد من مواقع توزيع المساعدات خلال الأسابيع المقبلة. وهذا بحد ذاته يعكس مقدار الاضطراب في بنية “الأمن الإنساني” الذي يُفترض أن تقوم عليه الخطة.

كل هذه التطورات تشير إلى أن المشروع المطروح ليس مجرد برنامج لإعادة الإعمار، بل عملية إعادة تشكيل ممنهجة للجغرافيا والسكان في غزة وفق تصوّر يتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية ويتجاهل الأسباب السياسية للنزاع. فمصادرة الأراضي تحت مسمى التعويض، وفرض تجمعات سكنية مغلقة، وتولّي هياكل أمنية دولية أو خاصة مهام إدارة حياة المدنيين، كلها إجراءات تعيد إنتاج منطق السيطرة وتفتح الباب أمام واقع استعماري جديد.

إن أي خطة تتجاهل حق الفلسطينيين في ملكية أرضهم وفي العودة إلى بيوتهم، وتختزل مستقبل غزة في ترتيبات أمنية فوقية، لن تنتج استقرارًا ولا سلامًا. فإعادة البناء لا يمكن أن تبدأ من الجغرافيا بل من الحقوق؛ ولا من الهياكل العسكرية بل من الاعتراف بإرادة السكان الأصليين. ومن دون ذلك، فإن كل مشروع إعادة تصميم للقطاع لن يكون سوى وصفة جديدة لإدامة الصراع لا لإنهائه.

دلالات

شارك برأيك

خطة ما بعد الحرب أم مشروع لإعادة تشكيل غزة؟ رؤية أميركية–إسرائيلية على حساب الفلسطينيين

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.