في كل مرة تُعلن فيها جهة "دولية" عن ارتفاع في أعداد الشاحنات الداخلة إلى غزة أو زيادة في إنتاج الوجبات، يبدو المشهد كما لو أن الأرقام جاءت لتغطي على الوجع، لا لتصفه.
فغزة ليست معادلة إغاثية يمكن حلّها بالطنّات والأرقام، بل جغرافيا متخمة بالخذلان الإنساني والسياسي معًا.
منذ أسابيع، تتحدث تقارير غربية عن "تحسن" في الوضع الغذائي داخل القطاع: دخول أكثر من 15 ألف حمولة من السلع، ووصول المساعدات إلى أكثر من مليون شخص، وزيادة في إنتاج الوجبات بنسبة 82%.
لكن ماذا تعني هذه النسب أمام واقع إنساني ينهكه الحصار ويقيده الخوف؟
تلك الأرقام التي تُنشر بعناية، ليست بريئة من سياقها. إنها محاولة لتلميع صورة المنظومة التي تُشرف على "تنسيق المساعدات" بينما تُغضّ الطرف عن أسباب الحاجة إليها.
فحين تُختزل معاناة شعب بأكمله في تقارير "تحسّن"، تُصبح الإنسانية أداة سياسية أكثر منها التزامًا أخلاقيًا.
إن الحديث عن "التحسّن" لا يمكن فصله عن شبكة الأطراف التي تدير المشهد:
أطراف تتحكم في المعابر وتمنح الإذن بالدخول أو تمنعه،
وأخرى توزّع المساعدات كما لو كانت تمنح الحياة من فائض امتيازها،
وثالثة تكتفي بمتابعة الجداول اليومية وكأنها تُدير مشروعًا تنمويًا لا مأساة ممتدة منذ أكثر من عام.
في غزة، ليس الجوع مجرد نقص في الغذاء، بل نتيجة منظومة كاملة من الحصار والإقصاء وإدارة البؤس.
ومهما زادت أعداد الشاحنات أو ارتفعت نسب الإنتاج، فإن السؤال الأخلاقي يبقى معلقًا:
هل يحق لمن يغلق الأبواب أن يتحدث عن الكرم؟
ما يحتاجه الغزيون ليس زيادة في الطرود، بل كسر في الحلقة التي جعلت حياتهم مرهونة بتقارير التنسيق ورضا المانحين.
فالإنسان لا يُقاس بما يدخل إلى بطنه فقط، بل بما يُتاح له من كرامة وحرية وحق في تقرير مصيره.





شارك برأيك
حين تتحوّل المأساة إلى أرقام: من يروي جوع غزة؟